جوجل تختبر مراكز بيانات في الفضاء لمستقبل جديد
تواجه مراكز بيانات جوجل تحديات كبيرة في الفضاء مثل الحرارة والإشعاع لكن الشركة تختبر بنجاح أول قمر صناعي حوسبي في مدار الأرض ضمن مشروع ثوري قد يغير مستقبل الحوسبة بعيداً عن الأرض خَبَرَيْن

في ولايات أمريكية عدة، يخرج سكان الأرياف للاحتجاج على مشاريع مراكز بيانات (Data Centers) تُخطّط شركات التقنية لبنائها بالقرب من منازلهم ومزارعهم، خشية استنزاف المياه والكهرباء والضجيج الدائم. هذا النزاع على الأرض هو بالضبط ما يجعل تجربة جوجل المقرّرة هذا الخميس مثيرة للاهتمام: ماذا لو انتقلت هذه المراكز، أو جزءٌ منها على الأقل، إلى مدار الأرض؟ السؤال لم يعد خيالاً علمياً بحتاً، فقد بدأت الشركة فعلياً اختبار الفكرة ميدانياً، ولو كانت الخطوة الأولى متواضعة الحجم مقارنةً بالطموح النهائي.
ماذا يختبر جوجل تحديداً؟
تُخطّط جوجل لإطلاق أول قمر اختباري ضمن مبادرتها «Project Suncatcher» يوم الخميس من قاعدة فاندنبرغ للقوات الفضائية (Vandenberg Space Force Base) في ولاية كاليفورنيا، على متن صاروخ Falcon 9 التابع لشركة SpaceX، ضمن مهمة المشاركة بالرحلة المعروفة باسم Transporter-18. موعد الإطلاق محدّد عند الساعة 2:18 ظهراً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (11:18 صباحاً بتوقيت المحيط الهادئ).
الهدف الأساسي من هذا القمر الأول هو التحقّق من أداء وحدات معالجة الموترات (TPUs) الخاصة بجوجل بعد تعرّضها لقوى الإطلاق الصاروخي وإشعاعات الفضاء. يقول travis Beals، المدير الأول لـ«نماذج الذكاء» في جوجل: «هذا الإطلاق الأول يتعلّق برصد ما ينجح، وتحديد نقاط الفشل المحتملة، وتوظيف هذه النتائج في المهمّات المستقبلية». الشركة تخطّط لإرسال قمرين إضافيين عام 2027 لمواصلة التجربة.
الإشعاع الكوني تحدٍّ حقيقي هنا، إذ يمكن أن يتسبّب في أخطاء حوسبية تُعرف باسم «انقلاب البتّات» (bit flips)، إضافةً إلى إمكانية إتلاف العتاد نفسه. ولمعرفة مدى تحمّل رقائق جوجل، أُجريت محاكاة أرضية في مختبر كروكر النووي (Crocker Nuclear Laboratory) التابع لجامعة كاليفورنيا في ديفيس، وأظهرت النتائج أنّ وحدات TPU أدّت أداءً وصفته جوجل بأنه «جيد بشكل ملحوظ». لكن الشركة نفسها تُقرّ بحدود هذه المحاكاة: «بعض الأمور لا يمكن اختبارها إلا في الفضاء فعلياً».
مشكلة الحرارة التي لا حلّ أرضياً لها
على الأرض، تعتمد مراكز البيانات على الحمل الحراري (Convection) وأبراج التبريد التي تُشتّت الحرارة عبر تبخّر المياه. هذه الطريقة ببساطة لا تعمل في الفضاء، لأنّ الفراغ لا يحتوي على جزيئات هواء تنقل الحرارة بعيداً. لذلك تحتاج مراكز البيانات المدارية إلى مشعّات كبيرة الحجم للتخلّص من حرارة الرقائق، وهو ما تختبره جوجل عبر مشعّات وأنابيب حرارية (Heat Pipes)، على أن «تُحسّن التصاميم كلّما تعلّمت أكثر» بحسب تعبير الشركة.
القمر الاختباري الأول محدود الطاقة بشكل لافت: يزوّد وحدات TPU بنحو كيلوواط واحد فقط من الطاقة، وفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز. رفضت جوجل الرد على الاستفسار بشأن تفاصيل إنتاج الطاقة لهذا القمر. وبسبب هذا القيد، يضطر القمر، وفق متحدّث باسم جوجل، إلى «إيقاف التشغيل كل عشرين دقيقة، لأننا لا نريده أن يسخن أكثر من اللازم».
للمقارنة، تستهلك الأقمار الصناعية العاملة في الاتصالات حالياً ما بين 10 و20 كيلوواط، بحسب كاليب هنري من شركة Quilty Space الاستشارية ومقرّها سانت بطرسبرغ بولاية فلوريدا، في حين قد تحتاج أقمار الحوسبة المخصّصة للذكاء الاصطناعي إلى ما يصل إلى 100 كيلوواط. هذا الرقم يتقاطع مع ما جاء في ورقة بحثية نشرتها جوجل يوم الخميس في مجلة Joule، والتي قدّرت احتياج مراكز البيانات المدارية بما بين 50 و100 كيلوواط، مقارنةً بمستوى الطاقة النموذجي لحامل بيانات أرضي واحد (Data Rack).
القمران المقرّر إطلاقهما عام 2027 يُفترض أن يعملا باستمرار دون الحاجة لإيقاف التشغيل بسبب الحرارة، لكن جوجل لم تكشف بعد عن مستوى الطاقة أو معدّات إدارة الحرارة المخطّط استخدامها فيهما. كما قد يختبر هذان القمران التواصل بالليزر بين الأقمار، وهي تقنية لم تُثبت فاعليتها على نطاق واسع حتى الآن سوى عبر شبكة Starlink التابعة لـSpaceX.
هل يصمد الاقتصاد أمام فيزياء المدار؟
حتى لو حُلّت مشكلات التبريد والإشعاع هندسياً، يبقى السؤال الاقتصادي عالقاً. تشير شركة JLL Research المتخصّصة في تحليلات سوق مراكز البيانات إلى معضلة توقيت صعبة: رقائق الذكاء الاصطناعي تتطوّر كل عام أو عامين، بينما تدوم الأقمار الصناعية من خمسة إلى سبعة أعوام، «ما يجعل تقادم العتاد تحدّياً دائماً» كما ورد في تقرير الشركة الصادر في يونيو. وتضيف JLL أنّ مراكز البيانات المدارية تحتاج إلى خفض جذري وغير مسبوق في تكاليف الإطلاق الصاروخي كي تتفوّق على نظيراتها الأرضية، في حين أنّ هذه التكاليف لا تنخفض حالياً، بل يُتوقّع أن ترتفع.
هنا تبرز SpaceX كلاعب محوري يصنع صواريخه الخاصة ويتصدّر صناعة الأقمار الصناعية وحجم الإطلاقات المدارية عالمياً، وتخطّط لبناء تشكيلة (Constellation) قد تضم ما يصل إلى مليون قمر صناعي مخصّص للحوسبة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. والفكرة ذاتها ساهمت جزئياً في الطرح العام الأولي القياسي الذي حقّقته الشركة في وقتٍ سابق من هذا العام. أما جوجل، فأشارت ورقة بحثية نُشرت عام 2025 إلى أنها اقترحت تشغيل «Project Suncatcher» عبر مجموعات (Clusters) تضم 81 قمراً صناعياً لكل مجموعة، دون أن توضح الشركة حتى الآن عدد المجموعات اللازمة لتشغيل نظام متكامل فعلياً.
ثمّة هاجس إضافي لا يقلّ أهمية عن الهاجس الاقتصادي: ازدحام الأقمار الصناعية ومخاطر التصادم في المدار، وهي مخاوف قائمة أصلاً قبل أي حديث عن مراكز بيانات فضائية، ويمكن أن تتفاقم إذا تحوّلت هذه الفكرة إلى مشاريع واسعة النطاق. بمعنى آخر، الهروب من نزاعات الأرض قد يفتح الباب أمام نزاعٍ مشابه فوق الغلاف الجوي.
شركة Planet Labs، ومقرّها سان فرانسيسكو، هي الشريك الميداني لجوجل في هذا المشروع، وقد أحيلت الأسئلة بشأن التفاصيل إلى جوجل مباشرةً. لكن الرئيس التنفيذي المشارك للشركة ومؤسّسها ويل مارشال، وهو مشغّل أقمار صناعية مخضرم، يبدو متفائلاً بحذر: «أعتقد فعلاً أنه مشروع قابل للتطبيق على المدى الطويل»، مضيفاً أنّ «هذا سيتطلّب مبالغ ضخمة من ميزانيات البحث والتطوير، وهذه الشركات ستكون مستعدّة لضخّ هذه الأموال».
جوجل نفسها تضع التجربة في سياقها الصحيح دون مبالغة في الوعود، إذ جاء في بيانٍ صحفي لها: «تماماً كما تطلّب البحث المبكّر في القيادة الذاتية والحوسبة الكمّية سنواتٍ من التجريب قبل الوصول إلى أنظمة عملية، فإنّ استكشاف الحوسبة في الفضاء يبدأ بخطواتٍ مدروسة ومتأنّية». القمر الأول، إذن، ليس إجابة نهائية على أزمة مراكز البيانات الأرضية، بل مجرّد سؤال أول في تجربة قد تمتدّ لسنوات قبل أن تتّضح معالمها، سواء كبديلٍ فعلي عن النزاعات المحلية على الأرض، أو كفصلٍ جديد من المنافسة التقنية ينتقل ببساطة إلى مدارٍ أعلى.
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق
