فلافيو بولسونارو بين الإرث السياسي والتحديات القضائية
فلافيو بولسونارو يسعى خلف إرث والده السياسي وسط تحقيقات فساد وملفات قضائية معقدة في سباق رئاسي حاسم ضد لولا دا سيلفا. تعرف على تفاصيل حملته الأمنية وخلافاته العائلية عبر خَبَرَيْن.

-على شاطئ كوباكابانا، حيث بدأت قصته السياسية قبل أكثر من عقدين، وقف فلافيو بولسونارو أمام حشدٍ من آلاف الأنصار محاولاً إقناع البرازيليين بأنه الوريث الشرعي لمشروع والده السياسي، وبأن بإمكانه تحقيق ما عجز عنه الأب: الوصول إلى القصر الرئاسي. غير أنّ الطريق إلى هذا الهدف محفوفة بتحقيقات فساد لم تُحسم بعد، وخلافات عائلية علنية، وجدلٍ قائم حول حدود العلاقة مع واشنطن، في سباقٍ بات من أكثر السباقات الرئاسية تقارباً في تاريخ البرازيل الحديث أمام الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.
فلافيو، البالغ من العمر 45 عاماً، يواجه رئيساً يناهز 81 عاماً ويسعى لولاية رابعة يُرجَّح أن تكون الأخيرة له. ووفق استطلاع أجرته مؤسسة Quaest في أغسطس، اعتبر 33% من البرازيليين أن العنف هو المشكلة الرئيسية في البلاد، أي أكثر من ضعف نسبة من رأوا أن الاقتصاد هو التحدي الأبرز، وهو مؤشر سيحدد كثيراً من ملامح الحملتين.
من هو فلافيو بولسونارو؟
وُلد فلافيو نانتيس بولسونارو عام 1981، وهو الابن الأكبر بين أبناء جايير بولسونارو الخمسة. بدأ مسيرته محامياً، قبل أن يُنتخب في سن الحادية والعشرين عضواً في المجلس التشريعي لولاية ريو دي جانيرو، حيث أمضى أربع ولايات قبل أن يصل إلى مجلس الشيوخ الفيدرالي عام 2018، العام نفسه الذي فاز فيه والده بالرئاسة.
بنى فلافيو حضوره السياسي في ريو دي جانيرو حول خطابٍ أمني متشدد ودفاعٍ صريح عن قوات الأمن، وهي الولاية التي تحمل تاريخاً طويلاً من الجريمة المنظمة والعنف. لكنه، بخلاف صورة والده الحادة، عُرف بميله إلى التهدئة وبناء الجسور مع أعضاء الكونغرس، حتى وُصف بأنه كان همزة الوصل غير الرسمية لعائلة بولسونارو مع مجلس الشيوخ. يقول عالِم السياسة أوكتافيو أموريم نيتو إنه "خلال الأزمات المتعددة التي مرت بها حكومة جايير بولسونارو، بدا فلافيو العضو الأكثر استعداداً للحوار داخل العائلة".
من يعرفه عن قرب يصف الفارق بشكلٍ أوضح. جيلسون ماتشادو، وزير السياحة الأسبق في حكومة جايير بولسونارو، والذي يعرف الأب منذ تسعينيات القرن الماضي والابن منذ أكثر من عقد، يقول إن "فلافيو أكثر دبلوماسية من والده"، مضيفاً أنه "يصغي أكثر". ويروي ماتشادو، الذي أمضى إجازات مع فلافيو في شمال شرق البرازيل، أنه عرفه هاوياً للصيد وغواصاً شغوفاً، واصفاً إياه بأنه "غواص لا يعرف الخوف، ينزل إلى عمق 30 متراً (90 قدماً)، لم أرَ شيئاً كهذا من قبل". وفي وصفه للفارق العائلي، يقول ماتشادو: "بولسونارو لم يُقبّل أبناءه قط"، في حين أن "فلافيو، على العكس، يُقبّل ابنه، بل قبّل والده أيضاً؛ إنه أسلوب مختلف".
غير أن هذه الصورة الأكثر ليونة لا تمحو حلقة ظلت ملتصقة بسجله السياسي. ففي خطابٍ ألقاه عام 2007، دافع فلافيو عن ميليشيات ريو دي جانيرو ووصفها بأنها "طريقة جديدة للعمل الشرطي"، كما مَنح، بصفته عضواً في المجلس التشريعي للولاية، أوسماً لعناصر من تلك الميليشيات، وفق ما يذكّر أموريم نيتو، الذي يصف هذه الواقعة بأنها "واحدة من أبرز الوصمات في سجله، حتى في نظر اليمين نفسه". واليوم تحمل حملته الانتخابية الخط ذاته: خفض سن المسؤولية الجنائية، وتشديد الردّ على الجريمة العنيفة، باعتبار الأمن محور الخطاب الانتخابي في إطلاق الحملة من كوباكابانا.
إرث مثقل بالتحقيقات القضائية
لا ينفصل صعود فلافيو عن ملف قضائي واسع يطال دائرة العائلة بأكملها. فوالده جايير بولسونارو، الذي خسر انتخابات 2022، أُدين لاحقاً بأكثر من 27 عاماً سجناً بتهمة التخطيط لانقلاب، وهو يصرّ على براءته، ويأمل أن يمهّد الطريق الرئاسي لنجله سبيلاً لإطلاق سراحه مستقبلاً.
وفي موازاة ذلك، فتحت المحكمة الاتحادية العليا في يوليو تحقيقاً مع فلافيو بشأن اتهامات بالفساد وغسل الأموال، تتعلق بتمويل بنك "Banco Master" المفلس لفيلم "Dark Horse" الذي يروي سيرة جايير بولسونارو. ونفى فلافيو أي مخالفة، موضحاً أن علاقته برجل الأعمال دانييل فوركارو، المالك السابق للبنك، كانت مرتبطة بهذا العمل السينمائي حصراً، بحسب التحقيق الصحفي حول علاقته بفوركارو.
التحقيق في بنك "Banco Master" امتد ليطال شخصيات أخرى في قمة المؤسسة البرازيلية، من بينها لولا نفسه، وأعضاء في المحكمة الاتحادية العليا. وكشف المحققون عن عقدٍ بملايين الدولارات بين البنك ومكتب محاماة تملكه زوجة القاضي ألكسندر دي مورايس، وفق ما أورده تقرير حول عقد زوجة مورايس. كما أفادت Brasil بأن رئيس البنك أرسل رسائل حساسة إلى جهة اتصال محفوظة باسم مورايس، من دون أن يثبت أن القاضي تسلّم تلك الرسائل أو ردّ عليها، وهو ما فصّله تحقيق حول الرسائل المنسوبة لمورايس. ونفى مورايس تلقي أي رسائل منسوبة إليه، واصفاً الربط بينه وبين القضية بأنه "استنتاج خاطئ".
و وسط هذا الجدل، لم يفوّت جيلسون ماتشادو، أحد أبرز المتحدثين باسم المعسكر، فرصة التعليق الساخر على طغيان اسم القاضي على المشهد الانتخابي، قائلاً: "اليوم لدينا نجمنا رقم 10 في الحملة الانتخابية... إنه ألكسندر دي مورايس". ويرى أنصار بولسونارو أن تسليط الضوء على سلوك القاضي قد يخدم قضيتهم على المدى البعيد؛ إذ يقول عالِم السياسة المتخصص في قضايا الفساد لوسيانو دا روس إن هؤلاء "يأملون أن يتيح ذلك لاحقاً نقض الإدانة أو إبطال الإجراءات في القضية لأسباب إجرائية". لكن أموريم نيتو يحذّر من أن مثل هذا المسار "يعني أزمة أخرى هائلة مع المحكمة الاتحادية العليا".
يُذكر أن ماتشادو نفسه لم يكن بمنأى عن الملاحقة القضائية؛ فقد اعتُقل في 13 يونيو 2025 على ذمة تحقيقٍ يتعلق بـاتهامات حول مساعدته لرئيس ديوان جايير بولسونارو السابق، والشاهدِ في قضية الانقلاب، للحصول على جواز سفر برتغالي لمغادرة البرازيل. وأُفرِج عنه في اليوم ذاته مع الاحتفاظ بجواز سفره رهن الاحتجاز. ومن جانبه، نفى ماتشادو هذه التهم جملة وتفصيلاً، وفقاً لما أورده تقرير حول توقيف
فلافيو ومیشيل: صراع الوراثة داخل العائلة
بعد إدانة جايير بولسونارو، التي استبعدته نهائياً من السباق الرئاسي، فضّل الأب أن يبقى الإرث السياسي داخل العائلة. وكان نجله إدواردو بولسونارو قد نسج علاقات وثيقة مع حركة MAGA الأميركية وضغط على إدارة ترامب بشأن قضية والده، إلا أن مساره انتهى إلى طريق مسدود بعدما أدانته المحاكم البرازيلية، بعد ما يقارب عاماً من تصريح ترامب الشهير، بتهمة الإكراه وحكمت عليه بالسجن 4 أعوام و2 شهر، فبقي في الولايات المتحدة خشية الاعتقال في حال عودته إلى البرازيل.
وهكذا برز فلافيو، إلى جانب حرم الرئيس الأسبق الأولى ميشيل بولسونارو، كأبرز المرشحين لقيادة الحركة البولسونارية. ويلخّص أموريم نيتو منطق الاختيار بالقول: "السياسة هي العمل العائلي لأسرة بولسونارو"، مضيفاً أن الأب "انتهى الأمر باختياره الابن الأكبر".
لكن مسار التوريث لم يخلُ من الاهتزاز. ففي يونيو، تحوّل خلافٌ حول التحالفات الحزبية إلى أزمة علنية حين اتهمت ميشيل بولسونارو، التي تتمتع بشبكة نفوذ قوية بين النساء المحافظات والمسيحيين الإنجيليين، فلافيو بإذلالها سياسياً خلال مكالمة هاتفية، في واقعةٍ كشفت عمق الانقسامات داخل اليمين البرازيلي وحزب الليبرالي ذاته. واعتذر فلافيو لاحقاً، وتصالح الطرفان علناً في يوليو بعد أسابيع من جهود قادة الحزب للتقريب بينهما، وفق ما وثّقه تقرير حول خلاف فلافيو وميشيل. وبحلول سبتمبر، كانت ميشيل قد عادت فعلياً إلى الحملة، وطلبت من مؤيداتها دعم فلافيو. ويصف ماتشادو العلاقة الآن بأنها "بقدر ما يمكن أن تكون جيدة".
وفي خضم هذا الملف العائلي المعقد، يعد فلافيو بعفوٍ شامل عن والده وعن المدانين الآخرين في قضية محاولة الانقلاب، متعهداً باستخدام صلاحيات العفو الرئاسي إذا لم يتحرك الكونغرس.
ورقة ترامب: التصعيد الأمني وثمنه الدبلوماسي
على صعيد الملف الأمني، لم يكتفِ فلافيو بالخطاب الداخلي. ففي مارس، دعا إلى تصنيف أكبر مجموعتين إجراميتين في البرازيل، PCC وCV، منظمتين إرهابيتين، ثم سافر في مايو إلى الولايات المتحدة ليطرح الطلب مباشرة على دونالد ترامب، في خطوة رفضها لولا واليسار البرازيلي باعتبارها تهديداً للسيادة الوطنية، كما أورد تقرير حول طلب فلافيو من ترامب. وأعلنت الولايات المتحدة لاحقاً بالفعل تصنيف المجموعتين منظمتين إرهابيتين، فشكر فلافيو كلاً من ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو على هذا القرار، وفق تصريحه عقب التصنيف الأميركي.
هذا التقارب مع واشنطن له جذور أعمق من ملف الجريمة المنظمة. ففي يوليو 2025، وصف ترامب القضية المرفوعة ضد جايير بولسونارو بأنها "مطاردة ساحرات"، وأعلن فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على الواردات البرازيلية، في خطوة سبقها ضغط مكثف من إدواردو بولسونارو داخل أروقة الإدارة الأميركية. ويختصر أموريم نيتو طبيعة هذا الارتباط بالقول: "البولسونارية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحركة MAGA والترامبية"، محذراً من أن "من يكون قومياً أو وطنياً حقاً، فإن المصلحة الوطنية تأتي أولاً، لا التبعية لزعيم القوة العظمى في العالم". ويضيف أن "الناخب البرازيلي يرى ذلك ويدركه، ومعظمهم يعارضونه، رغم أن أنصار بولسونارو من الناخبين يؤيدون كثيراً من تصرفات ترامب".
وتبقى نقاط التوتر متعددة بين البلدين، من ملف المجموعتين الإجراميتين إلى الاهتمام الأميركي بالمعادن الحيوية البرازيلية. في المقابل، يصرّ لولا على خطابٍ يركّز على السيادة الوطنية والمصالح البرازيلية، في وقتٍ يعمّق فيه علاقات بلاده مع الصين، في مسارٍ يبدو أقرب إلى موازنة النفوذ الأميركي لا مواجهته.
سباق متقارب يعكس انقساماً برازيلياً عميقاً
تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن البرازيل لم تتغير كثيراً في توزيع ولاءاتها السياسية منذ 2022، إذ لا يزال البلد منقسماً بعمق. فبحسب استطلاع لمؤسسة Datafolha في سبتمبر، يتقدم فلافيو على لولا بفارق يقارب الضعف بين الناخبين الإنجيليين، في حين يتقدم لولا على فلافيو بين الكاثوليك بنسبة 43% مقابل 32%، وفق بيانات الاستطلاع بحسب الفئات. كما يحظى فلافيو بدعمٍ أقوى من ذوي الدخل المرتفع، بينما يبقى لولا الأقوى بين الفئات محدودة الدخل.
وفي استطلاعٍ آخر لمؤسسة Quaest في سبتمبر، أيّد ما يقارب جميع الناخبين الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم من أنصار بولسونارو ترشيح فلافيو، في مؤشرٍ على أن الحملة نجحت، حتى الآن، في توحيد الإرث السياسي للعائلة خلف اسمٍ واحد، كما توضح نتائج استطلاع Quaest الكامل.
بهذا الزخم الموروث، يدخل فلافيو بولسونارو السباق الرئاسي المتوقع في أكتوبر وهو يدرك حجم الرمزية التي يحملها اسمه. وفي كلمته أمام حشد كوباكابانا، الذي شهد انطلاق حملته في 16 أغسطس، خاطب أنصاره قائلاً: "أعرف أنكم تنظرون إليّ الآن وتفكرون في شخصٍ آخر"، مضيفاً بتواضع أنه "يعرف أنه يشبه والده، لكن من الصعب مقارنة ابن بيليه ببيليه". غير أن السؤال الذي سيحسمه صندوق الاقتراع لا يتعلق بالشبه العائلي بقدر ما يتعلق بقدرة البرازيل على تجاوز استقطابها المزمن، وبمصير علاقتها مع واشنطن في ظل رئاسةٍ قد تُعيد العائلة التي هزّت مؤسسات الدولة إلى سدة الحكم من جديد.
أخبار ذات صلة

انفصاليّو كيبيك يفوزون بالانتخابات لكن دون أغلبيّة برلمانيّة

محطّة كوبا النووية: من حلم الاستقلال إلى رمز الخيبة

الطائرات بدون طيار: سلاح الجريمة المنظمة الجديد في أميركا اللاتينية والحكومات تتخبط
