خَبَرَيْن logo

الاحتياطي الفيدرالي بين الاتهامات والإخفاقات الإدارية

تقرير المفتش العام يكشف تفاصيل مشروع ترميم الاحتياطي الفيدرالي ويتبرئ جيروم باول من الاتهامات الجنائية لكنه يسلط الضوء على إخفاقات إدارية وتضخم التكاليف. كيفن وارش يعلن خطوات تصحيحية لضمان الشفافية والكفاءة خَبَرَيْن

موقع ترميم مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن مع معدات بناء ضخمة وسط إضاءة مسائية، يعكس ارتفاع تكلفة المشروع وتحديات إدارته.
يُرى العمال في موقع تجديد الاحتياطي الفيدرالي بتاريخ 14 يناير في واشنطن العاصمة. أليكس وونغ/صور غيتي
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في ربيع هذا العام، وقف دونالد ترامب داخل مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن، وسط عدسات الكاميرات، يستعرض مع جيروم باول تقديرات تكلفة ترميم المقر الرئيسي للبنك المركزي الأمريكي. لم يكن المشهد عابراً: فقد استخدمه ترامب لاحقاً سلاحاً في حملته ضدّ باول، متّهماً إياه بـ"الإهمال الجنائي" في الإشراف على مشروعٍ تضخّمت كلفته حتى بلغت نحو 2.4 مليار دولار. بعد أشهر من التحقيقات والاتهامات المتبادلة، جاء تقرير المفتش العام للاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع ليرسم صورةً أكثر تعقيداً: لا جريمة ولا مخالفة سلوكية ارتكبها باول، لكن إخفاقات إدارية واضحة رافقت المشروع منذ انطلاقه.

ماذا وجد المفتش العام؟

بعد مراجعةٍ استغرقت عاماً كاملاً وأسفرت عن تقريرٍ من 120 صفحة، خلص مكتب المفتش العام إلى أنّه "لم نجد أسباباً معقولة تدفع للاعتقاد بأنّ انتهاكاً للقانون الجنائي الفيدرالي قد وقع، ولم نحدّد مخالفاتٍ لسياسات المجلس تستوجب إصدار قرارٍ بسوء سلوكٍ إداري". بهذه العبارة، أسقط التقرير الاتهام المركزي الذي بنى عليه ترامب حملته ضدّ باول طوال أشهر.

لكنّ التقرير لم يُبرئ إدارة المشروع من التقصير. فقد انتقد بشدّة الطريقة التي تعامل بها مجلس الاحتياطي الفيدرالي مع ملف الترميم، مشيراً إلى أنّ الكلفة الإجمالية تضاعفت تقريباً مقارنةً بالتقديرات الأولية التي وُضعت عام 2020. وجاء في التقرير أنّ "المجلس لم يتّخذ العديد من الإجراءات المتاحة له والتي كان بإمكانها ضبط الكلفة بشكلٍ أفضل والتخفيف من بعض الزيادات الكبيرة في كلفة البناء".

من أبرز الثغرات التي رصدها التقرير: عدم فرض سقوفٍ سعرية على الشركات المتعاقدة، وعدم إلزامها بتقديم تقديرات كلفةٍ كاملة عند تقديم العروض، إضافةً إلى متابعةٍ غير كافية للتطورات اليومية للمشروع. كذلك، امتنع المجلس عن طلب عروضٍ تنافسية أكثر لبعض عناصر المشروع بهدف "إبقاء المشروع قيد التنفيذ"، وفق تعبير التقرير. وأضاف المفتشون أنّهم "وجدنا أيضاً أنّ من المقلق أن مشروعاً بهذا الحجم لم تُحدَّد له مقاييس نجاحٍ رسمية لمتابعة تقدّمه".

وفي نقطةٍ لافتة، دحض التقرير فرضيةً رائجةً في الجدل السياسي حول المشروع: إذ لم يجد أنّ النوافير المائية أو أعمال ترميم الرخام أو غيرها من اللمسات التصميمية كانت سبباً جوهرياً في ارتفاع الكلفة. وقال التقرير إنّ "هذه المخطّطات التصميمية الأولية تضمّنت ميزاتٍ معيّنة أثار أعضاء في الكونغرس وأطراف خارجية أخرى تساؤلاتٍ بشأنها"، لكنّ المفتشين خلصوا إلى أنّهم "لم نجد أنّ هذه الميزات التصميمية ساهمت بشكلٍ جوهري في الزيادات الكبيرة في كلفة البناء". كما لم يوجّه التقرير اللوم إلى باول شخصياً أو إلى أيّ من محافظي الاحتياطي الفيدرالي، مشيراً إلى أنّ المشروع كان يُدار إلى حدٍّ كبير عبر لجانٍ داخل البنك المركزي.

خطوات تصحيحية ومراجعةٌ مستقلة

أوصى المفتش العام بسبعة إجراءاتٍ تصحيحية، من بينها إجراء تدقيقٍ شامل للمشروع ومراجعة العقود لتحديد التكاليف القابلة للاسترداد. ووافق رئيس الاحتياطي الفيدرالي الحالي كيفن وارش على تنفيذ التوصيات السبع كافّة، ملتزماً بإجراء تدقيقٍ مستقل على المقاول الذي أشرف على المشروع، وطالباً من إدارة الخدمات العامة فحص المشروع والمساعدة في الإشراف على استكمال أعمال الترميم. وقال وارش إنّ هدفه هو "إنجاز العمل بالطريقة الأكثر كفاءةً وشفافية". من جهته، امتنع متحدّث باسم الاحتياطي الفيدرالي عن التعليق بما يتجاوز رسالة وارش.

معركةٌ أوسع على استقلالية البنك المركزي

لا يمكن فصل ملف الترميم عن السياق السياسي الأوسع الذي شهد ضغطاً غير مسبوق من الرئيس الأمريكي على البنك المركزي. فقد رشّح ترامب باول لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي عام 2017، لكنّه ما لبث أن انقلب عليه، منتقداً إياه مراراً لرفضه خفض أسعار الفائدة. وبعد الجدل حول كلفة الترميم في ربيع هذا العام، تصاعدت الرقابة من الكونغرس، وفتحت وزارة العدل تحقيقاً جنائياً في القضية، قبل أن تعلّقه سريعاً وسط ردّ فعلٍ غاضب من مشرّعين جمهوريين. وفي إبريل، أسقطت المدّعية العامة لمقاطعة كولومبيا جانين بيرو التحقيق الجنائي ضدّ باول رسمياً، مع تأكيدها أنّ مكتبها سيراجع تقرير المفتش العام وقد يُعيد فتح التحقيق إذا استدعى الأمر ذلك.

لم يقتصر الضغط الرئاسي على باول؛ إذ سعى ترامب أيضاً لعزل عضوة مجلس الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، في وقتٍ واصل فيه الضغط علناً على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة. ومنذ تولّي وارش رئاسة الاحتياطي الفيدرالي في مايو، اتّجه البنك نحو رفع أسعار الفائدة، ما أثار امتعاض ترامب، وإن لم يوجّه انتقاداته شخصياً إلى وارش حتى الآن.

انتهت ولاية باول كرئيسٍ للاحتياطي الفيدرالي في مايو، لكنّه بقي عضواً في مجلس المحافظين. وفي أواخر إبريل، قال باول للصحفيين إنّه "كان يخطّط منذ وقتٍ طويل للتقاعد"، مضيفاً: "لكنّ ما حدث فعلاً خلال الأشهر الثلاثة الماضية لم يترك لي خياراً سوى البقاء حتى أرى هذه الأمور تنتهي". وربط باول بقاءه بحماية استقلالية القرار النقدي، محذّراً من "سلسلة الهجمات القانونية على الاحتياطي الفيدرالي التي تهدّد قدرتنا على إدارة السياسة النقدية دون اعتبار العوامل السياسية". وأكّد أنّه يريد أن ترى هذه القضية نهايتها "بشفافيةٍ ونهائيةٍ تامّتين".

سقف التوقعات في أماكن أخرى من واشنطن

المفارقة أنّ مشاريع الترميم التي يشرف عليها ترامب نفسه لم تسلم من الانتقادات المشابهة؛ فمشروع بناء قاعة احتفالاتٍ في البيت الأبيض تجاوز بدوره التقدير الأوّلي البالغ 200 مليون دولار، دون أن تقدّم الإدارة الأمريكية توضيحاً كافياً حول كيفية تغطية الكلفة الإضافية. وهكذا، تجد واشنطن نفسها أمام مشروعَي ترميمٍ يواجهان تساؤلاتٍ مماثلة حول الشفافية وضبط الإنفاق، أحدهما يخصّ مؤسسةً يُفترض أن تبقى بمنأى عن السياسة، والآخر يخصّ مقرّ السلطة التنفيذية ذاتها.

يبقى السؤال معلّقاً بشأن ما إذا كان تقرير المفتش العام سيضع حدّاً فعلياً لحملة الضغط على الاحتياطي الفيدرالي، أم أنّه مجرّد محطّةٍ في مسارٍ أطول من التوتر بين البيت الأبيض ومؤسسةٍ صُمّمت أصلاً لتبقى بعيدةً عن حسابات السياسة اليومية. فباول، الذي اختار البقاء ليرى القضية "تنتهي بشفافيةٍ ونهائية"، لا يزال جالساً في مجلس المحافظين، يراقب من موقعه الجديد كيف تتشكّل ملامح هذه المعركة على استقلالية القرار النقدي في الولايات المتحدة.

أخبار ذات صلة

Loading...
المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو يغادر منصة مظللة خلال فعالية انتخابية في تكساس وسط غيابه بسبب إصابته بالإنفلونزا في سباق مجلس الشيوخ.

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

سباق مجلس الشيوخ في تكساس يشتعل مع غياب جيمس تالاريكو بسبب الإنفلونزا واستغلال الجمهوريين للفرصة. تعرف على تفاصيل المعركة الانتخابية وأحداثها الحاسمة قبل يوم الاقتراع. تابع المزيد الآن!
سياسة
Loading...
مارك زوكربيرغ ودونالد ترامب في حوار خارج البيت الأبيض، يعكسان تحسّن العلاقات السياسية والتقنية بينهما في سياق سياسة الذكاء الاصطناعي.

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

شهد البيت الأبيض اجتماعاً تاريخياً جمع مارك زوكربيرغ ودونالد ترامب لتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي في أمريكا. اكتشف كيف تحولت العلاقة بينهما وأثر ذلك على سياسات التكنولوجيا. تابع التفاصيل الآن!
سياسة
Loading...
عناصر شرطة الهجرة الأمريكية ICE يرتدون سترات واقية ويقودون اعتقال رجل في مداهمة ضمن حملة ترحيل المهاجرين غير الشرعيين.

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية

تصاعدت اعتقالات المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة، ما يفرض ضغوطاً كبيرة على البنية التحتية ويثير جدلاً سياسياً حاداً. اكتشف التفاصيل وتأثيرات هذه الحملة الآن.
سياسة
Loading...
امرأة مسنة جالسة على كرسي متحرك داخل شقة صغيرة في مدريد، تعبيرها يعكس أزمة السكن وارتفاع الإيجارات في إسبانيا.

الحكومة الإسبانية تستعد للانتخابات وسط احتجاجاتٍ متصاعدة على أزمة الإسكان

قصة ماريكارمِن تكشف أزمة السكن في إسبانيا التي أشعلت احتجاجات واسعة وأدت إلى دعوة سانشيز لانتخابات مبكرة. اكتشف كيف تؤثر أزمة الإيجارات على السياسة والناس، تابع التفاصيل الآن!
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية