القلق الاقتصادي يحسم خيارات الناخب الأمريكي قبل الانتخابات
في ظل تراجع شعبية ترامب وتصاعد القلق الاقتصادي بين الأمريكيين، يتقدم الديمقراطيون بفارق أقل من السابق قبيل الانتخابات النصفية. الاقتصاد والتضخم يشكلان الهاجس الأكبر مع تزايد التوتر حول المستقبل المالي. خَبَرَيْن

في مطبخ منزلٍ أمريكي متوسط الدخل، لم يعد الحديث عن فاتورة الوقود أو أسعار الغذاء تفصيلاً عابراً، بل أصبح جزءاً من حسابٍ يومي مرهق. أكثر من نصف الأمريكيين المسجَّلين للتصويت يقولون إنهم يشعرون بعدم اليقين حيال أوضاعهم المالية الشخصية، وقرابة النصف يصفون مستقبلهم الاقتصادي بأنه مصدر توتر. هذا القلق المعيشي، الذي تكشفه بيانات تفصيلية، هو الخلفية الحقيقية التي يُقرأ من خلالها استطلاعٌ جديد تم اجراؤه بالتعاون مع مؤسسة SSRS، ويُظهر تقدماً وطنياً للديمقراطيين قبيل الانتخابات النصفية، في وقتٍ تتراجع فيه شعبية الرئيس دونالد ترامب إلى مستويات لم يبلغها من قبل.
تقدّمٌ ديمقراطي أضيق مما كان عليه عام 2018
بحسب الاستطلاع، يتقدّم المرشحون الديمقراطيون للكونغرس على نظرائهم الجمهوريين بفارق 49% مقابل 41% على المستوى الوطني، أي بفارق ثماني نقاط. هذا الرقم، وإن بدا مريحاً للديمقراطيين، أقل من الأفضلية التي كانوا يتمتعون بها في سبتمبر 2018، قبيل الانتخابات النصفية التي شهدت موجة زرقاء كبرى، حين بلغ الفارق حينها 12 نقطة. المقارنة تحمل رسالة مزدوجة: الاتجاه العام لا يزال في صالح المعارضة، لكن الزخم أقل حدّة مما كان عليه في الدورة الانتخابية السابقة المماثلة.
في المقابل، يواصل تقييم الأمريكيين لأداء ترامب الاقتصادي انحداره: 27% فقط يوافقون على طريقة إدارته للاقتصاد، بتراجع 22 نقطة عن مستوى عام 2018. أما نسبة من يصفون الأوضاع الاقتصادية العامة بأنها جيدة فلم تتجاوز 28%، أي بانخفاض حاد بلغ 41 نقطة. الفارق بين هذين الرقمين واقتصاد ولايته الأولى، الذي اعتبره معظم الأمريكيين مزدهراً، يفسّر جزءاً كبيراً من التبدّل في المزاج العام.
اقتصادٌ يتصدّر قائمة الهموم
يقول ثلثا الناخبين المسجَّلين إن الاقتصاد "بالغ الأهمية" في تحديد خيارهم الانتخابي، وهي عبارة تكررت في إجابات المشاركين في الاستطلاع أنفسهم. هذه النسبة، التي بلغت تحديداً 68%، تفوق ما سُجّل في خريف 2022 (59%) وفي خريف 2018 (44%)، ما يشير إلى أن الهاجس الاقتصادي بات أكثر إلحاحاً من أي وقتٍ مضى في السنوات الأخيرة. كما يعتبر 61% من المستطلَعين أن الانتخابات ونزاهتها وحقوق التصويت مسائل "بالغة الأهمية" أيضاً، فيما تحظى قضايا التضخم والرعاية الصحية بأغلبية مماثلة من الاهتمام. في المقابل، جاءت قضايا مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، والإجهاض، والهوية الجندرية، وسياسات أخرى، في مراتب أدنى ضمن أكثر من عشر قضايا شملها التصنيف.
هذا القلق الاقتصادي ليس مجرداً: 44% من المشاركين يرون أن تصويتهم للكونغرس سيحمل "رسالة معارضة لترامب"، مقابل 19% فقط يعتبرون تصويتهم "رسالة دعمٍ للرئيس". وثلثا الأمريكيين يقولون إن ترامب زاد الأوضاع الاقتصادية العامة سوءاً، بينما ترى أغلبية أن حرب إيران والتعرفات الجمركية الجديدة أضرّت بأوضاعهم المالية الشخصية. القليل جداً يفيدون بأنهم استفادوا من تعديلات القانون الضريبي أو من برنامج "حسابات ترامب"، المخصص للأطفال المولودين خلال ولايته الثانية. كذلك تصف الغالبية ارتفاع أسعار الوقود بأنه عبء مالي حقيقي على أسرها، ويعتبر نحو ربعهم أن هذا العبء بلغ درجة حادة.
شعبية ترامب في أدنى مستوياتها منذ توليه المنصب
يقف تأييد الأمريكيين لأداء ترامب بشكلٍ عام عند نحو الثلث، إذ سجّل 34% في يوليو، ليواصل بعدها التراجع إلى مستوى يُعدّ الأدنى رقمياً على مدى ولايتيه الرئاسيتين معاً. نسبة من يوافقون بشدة على أدائه لم تتجاوز 13%، وهو أيضاً أدنى مستوى في مسيرته السياسية. أما من يرون أن أولوياته صحيحة فلا يتجاوزون 24%، فيما لا يوافق على طريقته في التعامل مع التضخم سوى 20% من الأمريكيين.
اللافت أن التصدّع لم يعد مقتصراً على معسكر المعارضين، بل امتد إلى قاعدته الجمهورية نفسها. فنسبة الجمهوريين الذين يوافقون بشدة على أدائه تراجعت إلى 35%، بعدما كانت 66% في سبتمبر 2018. كما يعارض نصف الجمهوريين طريقته في التعامل مع التضخم، ويقول 59% منهم إن حرب إيران أضرّت بأوضاعهم المالية، بينما يرى ما يقارب نصفهم أن ترامب إما زاد الاقتصاد سوءاً أو لم يُحدث فيه أي تأثير إيجابي. هذه الأرقام لا تعني أن الجمهوريين تخلّوا عن ترامب، لكنها تكشف حماساً محدوداً تجاه رئاسته، في وقتٍ يسعى فيه ترامب إلى إعادة تشكيل بعض جوانب النظام الانتخابي أو التشكيك فيها.
ثقةٌ متدنية بمستقبلٍ ماليٍّ غامض
على المستوى الشخصي، تبدو الصورة أكثر قتامة. 31% فقط من الأمريكيين يشعرون بالأمل حيال المستقبل، بتراجع ثماني نقاط عن الربيع الماضي، فيما لا تتجاوز نسبة من يشعرون بالأمان المالي 23%، أي بانخفاض سبع نقاط خلال الفترة ذاتها. أكثر من ثلث المستطلَعين يفتقرون إلى الثقة في قدرتهم على الحفاظ على مستوى معيشتهم الحالي، وهي نسبة أسوأ حتى من تلك المسجَّلة في نهاية أزمة "الركود الكبير". القلق المالي الحاد يظهر بوضوح خاص لدى فئة الشباب، الذين يبدون أكثر الفئات تأثراً بهذا الغموض الاقتصادي.
هل يعني رفض ترامب ثقةً بالبديل الديمقراطي؟
رغم أن الديمقراطيين يتقدّمون بفارق سبع نقاط على الجمهوريين من حيث الانسجام مع الأولويات الاقتصادية للناخبين، وهو أفضل موقع لهم في هذا الملف منذ أربع سنوات مقابل أسوأ موقع للجمهوريين خلال الفترة نفسها، فإن هذا التقدّم لا يترجم بالضرورة إلى ثقة راسخة بالحزب الديمقراطي كبديل حاكم. فحزب ترامب وحزب المعارضة يحظيان بتأييدٍ متقارب ومتواضع في الكونغرس، إذ لا يتجاوز تأييد كلٍّ من الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس ربع الأمريكيين تقريباً.
وحين يُسأل الناخبون عمّا قد تفعله أغلبية ديمقراطية إذا سيطرت على الكونغرس، تنقسم الآراء بشكل شبه متساوٍ حول تأثير ذلك على كلفة المعيشة، والأوضاع المالية الشخصية، ومكافحة الفساد، والسياسة الخارجية. الاستثناء الوحيد هو ملف الرعاية الصحية، حيث يفضّل الأمريكيون سيطرة الديمقراطيين بفارق 10 نقاط. هذا التذبذب يعكس مفارقة جوهرية: رفض واسع لسياسات ترامب الاقتصادية، لكن دون قناعة راسخة بأن البديل سيُحدث فرقاً جذرياً.
كما يتضح أن حماس الناخبين ليس موزعاً بالتساوي بين المعسكرين، إذ إن الناخبين الديمقراطيين والمقرَّبين منهم أكثر ميلاً بـ16 نقطة من نظرائهم الجمهوريين لوصف أنفسهم بأنهم "متحمسون للغاية" للتصويت. أكثر من نصف المشاركين يقولون إن عوامل تتجاوز أهمية القضايا نفسها ستحدد تصويتهم للكونغرس، فيما يرى نحو ثلث الناخبين أن مسألة السيطرة على مجلس النواب ستكون المحرّك الأساسي لخيارهم، وترتفع هذه النسبة إلى ما يقارب أربعة من كل عشرة بين الناخبين الأكثر تحفيزاً للمشاركة.
أُجري الاستطلاع عبر الإنترنت والهاتف يومي 16 و17 سبتمبر، وشمل عينة عشوائية وطنية من 1,206 بالغين، بينهم 867 ناخباً مسجَّلاً. هامش الخطأ الإحصائي للعينة الكاملة يبلغ 3.5 نقطة مئوية، ويرتفع إلى 4.1 نقطة مئوية بين الناخبين المسجَّلين تحديداً.
تبقى الأرقام، مهما بدت حاسمة في لحظتها، مجرد مؤشرات على مزاجٍ سياسي متقلّب لا يترجم تلقائياً إلى نتائج انتخابية. فالغضب من الأوضاع الاقتصادية واضح ومتصاعد، لكن الثقة بأن التغيير في مقاعد الكونغرس سيخفف عبء فاتورة الوقود أو يعيد الأمل إلى ذلك المطبخ الأمريكي القلق لا تزال، بحسب الاستطلاع نفسه، بعيدة المنال.
أخبار ذات صلة

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية
