الطائرات المسيّرة تهدد أمريكا اللاتينية بأخطار جديدة
في خَبَرَيْن تعرف كيف تحولت الطائرات المسيّرة من أداة تهريب إلى سلاح قاتل بيد العصابات في أمريكا اللاتينية، مسببة دماراً ونزوحاً واسعاً، مع تصاعد المواجهات التقنية بين الدول والجماعات الإجرامية.

في لحظةٍ لم تكن تتوقّع فيها أيّ شيء، اقتربت امرأةٌ من بائعٍ في أحد شوارع هايتي، ثمّ سمعت انفجاراً مروّعاً. تقول وهي تستعيد المشهد: "حين اقتربتُ من البائع، سمعتُ انفجاراً. كان الأمر فوضى تامّة، أناسٌ مُبتورو الأطراف، أصواتٌ في كلّ مكان... كان المكان مليئاً بالأطفال. كثيرٌ من الناس ماتوا". ابنتها التي لم تكن قد أتمّت السادسة من عمرها كانت في عداد القتلى. لم يكن القاتل جندياً ولا مسلّحاً يحمل بندقية — بل كانت طائرةً مسيّرة أطلقتها عصابةٌ إجرامية.
هذه الحادثة ليست استثناءً في هايتي، بل هي نموذجٌ لظاهرةٍ تتمدّد بسرعةٍ مقلقة عبر أمريكا اللاتينية: الطائرات المسيّرة التي باتت سلاحاً أساسياً في ترسانة الجماعات الإجرامية المنظّمة، من كارتيلات المكسيك إلى مجموعات المتمرّدين في كولومبيا، ومن سجون البرازيل إلى أزقّة بورت أو برنس.
من الحمام إلى الطائرة المسيّرة: تطوّرٌ لم يستغرق عقداً
لا تبدأ القصّة من الانفجارات، بل من شيءٍ أكثر عادية: تهريب الهواتف والمخدّرات إلى داخل السجون. منذ عام 2014، رصدت تقارير أمريكا اللاتينية أولى حالات استخدام الطائرات المسيّرة لتهريب البضائع المحظورة إلى المنشآت الجزائية، في ما وصفه موقع InSight Crime المتخصّص في الجريمة المنظّمة بأنّ "الطائرات المسيّرة حلّت محلّ الحمام الذي كان يُستخدم سابقاً لتوصيل الرسائل والطرود الصغيرة، إذ توفّر مزايا أكبر وسهولةً في الوصول إلى البضائع في السوق السوداء".
لكنّ ذلك الاستخدام البدائي لم يكن سوى بدايةٍ. فخلال أقلّ من عقد، تحوّلت الطائرات المسيّرة من أداةٍ للتهريب إلى منظومةٍ متكاملة للمراقبة والهجوم والتنسيق العملياتي. رصد مشروع ACLED لتتبّع النزاعات المسلّحة نحو 670 حدثاً مرتبطاً بالطائرات المسيّرة المسلّحة في أمريكا اللاتينية منذ عام 2018، والمثير للقلق أنّ أكثر من 72% من هذه الأحداث وقعت بين 1 يناير 2025 و 21 أغسطس 2026 — أي أنّ الوتيرة تتسارع بشكلٍ لافت.
يلخّص Paddy Ginn، الخبير الأوّل في منظّمة Global Initiative Against Transnational Organized Crime، هذا التحوّل بعبارةٍ دقيقة: "نشهد انتقالاً واضحاً من الاستخدام التجريبي للطائرات المسيّرة من قِبَل الجماعات الإجرامية نحو استخدامٍ عملياتي منظّم وقابل للتكرار". ويُضيف: "قليلٌ من الابتكارات انتشرت عبر النزاعات والجريمة المنظّمة بالسرعة التي انتشرت بها الطائرات المسيّرة".
كولومبيا: بؤرة الحرب بالطائرات المسيّرة
تحتلّ كولومبيا موقع الصدارة في هذه الظاهرة، إذ تضمّ 97 من أصل 182 بلديةً في أمريكا اللاتينية سُجّلت فيها أحداثٌ مرتبطة بطائرات مسيّرة مسلّحة، وتتركّز هذه الأحداث في أقاليم Cauca وNorte de Santander و Antioquia و Chocó و Nariño و Bolívar. تستخدم الفصائل المنشقّة عن FARC وميليشيات ELN طائراتٍ مسيّرة مزوّدة بكاميرات حرارية لرصد تحرّكات القوّات الأمنية، وتنسيق الهجمات المنسّقة بدقّةٍ لم تكن متاحةً قبل سنواتٍ قليلة.
في منطقة Catatumbo وحدها، أسفر العنف المرتبط بالطائرات المسيّرة عن نزوح أكثر من 54,000 شخص — رقمٌ يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تُخلّفها هذه التقنية حين تقع في أيدي الجماعات المسلّحة. وقد استجابت الحكومة الكولومبية بخطوةٍ لافتة: التوصّل إلى اتفاقٍ مع الولايات المتحدة لاستعارة 3 طائرات مسيّرة من طراز MQ-9A Reaper لمراقبة ممرّات تهريب المخدّرات وتنفيذ ضربات دقيقة.
المكسيك: خمس سنواتٍ من الكارتيلات في الجوّ
في المكسيك، يمتدّ تاريخ استخدام الكارتيلات للطائرات المسيّرة في الهجمات على مدى خمس إلى ستّ سنواتٍ على الأقلّ، وفق ما يؤكّده Paddy Ginn. وتشمل الولايات الأكثر نشاطاً في هذا الملفّ: Sinaloa و Michoacán و Tamaulipas و Chihuahua و Guanajuato. وقد أكّد كلٌّ من وزارة البحرية ووزارة الدفاع المكسيكيّتَين ارتفاعاً ملحوظاً في حجم الطائرات المسيّرة المضبوطة خلال العام الماضي.
يصف David Mora، المحلّل الأوّل في Crisis Group، الأسلوب التقني المتّبع: "يُعدّلون الطائرات المسيّرة التجارية، كتلك المستخدمة لتوصيل الطرود، لتحمل متفجّرات". وهذا التعديل على المنتجات التجارية المتاحة في الأسواق يجعل التصدّي لها أصعب، إذ لا تستلزم سلاسل إمداد عسكرية معقّدة.
في مواجهة هذا التصاعد، أعلن Ricardo Trevilla Trejo، وزير الدفاع الوطني المكسيكي، أنّ بلاده "نشرت 165 منظومةً مضادّة للطائرات المسيّرة على طول الحدود الشمالية، ونحقّق نتائج جيّدة معها". وعلى الجانب الأمريكي، لجأت قوّات الجيش إلى استخدام منظومة ليزر لأوّل مرّةٍ لإسقاط 3 طائرات مسيّرة قرب الحدود بين تكساس والمكسيك، في خطوةٍ تكشف عن مستوى التطوّر التقني الذي باتت تتطلّبه مواجهة هذه التهديدات.
هايتي: حين يصبح المدنيّون هدفاً
لا تعكس أرقام هايتي مجرّد إحصاءاتٍ باردة: بين 1 مارس 2025 و 21 يناير 2026، لقي ما لا يقلّ عن 1,243 شخصاً حتفهم جرّاء ضربات طائرات مسيّرة شنّتها العصابات المسلّحة. وتُشير الشهادات الميدانية إلى أنّ كثيراً من هؤلاء الضحايا كانوا مدنيّين في أسواقٍ وأحياء سكنية.
يعلّق Ginn على الحالة الهايتية بحذرٍ: "تُجسّد هايتي في آنٍ واحد الإمكانيات والمخاطر المترتّبة على نشر طائرات الشرطة المسيّرة في بيئاتٍ شديدة التنازع". فالمشكلة لا تقتصر على الجماعات الإجرامية التي تستخدم هذه التقنية، بل تمتدّ إلى التساؤلات المشروعة حول كيفية استخدام الدولة ذاتها لها في سياقاتٍ هشّة.
ريو دي جانيرو: عندما يُقصف رجال الأمن من الجوّ
في أكتوبر 2025، شهدت أحياء Complexo da Penha و Complexo do Alemão في ريو دي جانيرو عمليةً أمنية ضخمة، شارك فيها نحو 2,500 عنصر من الشرطة والجيش وقنّاصة. لكنّ ما ميّز هذه العملية عن سابقاتها هو أنّ قوّات الأمن واجهت هجمات بطائرات مسيّرة محمّلة بمتفجّرات، في مشهدٍ يكشف كيف باتت جماعةٌ كـ Comando Vermelho تُضيق الفجوة بين الأساليب الإجرامية والعسكرية. وقد خلّفت العملية ما لا يقلّ عن 64 قتيلاً.
استجابةً لهذا التصعيد، أسّست شرطة ريو المدنية وحدةً متخصّصة تُعرف بـ COANT، تعمل على دمج الطائرات المسيّرة في منظومة الاستخبارات والعمليات الميدانية — وهو توجّهٌ يعكس إدراكاً متزايداً بأنّ مواجهة هذا التهديد تستلزم امتلاك الأدوات ذاتها.
سباق التسلّح: بين الابتكار الإجرامي والردّ الحكومي
ما يجعل هذه الظاهرة بالغة الخطورة هو أنّ الجماعات الإجرامية لا تبتكر من فراغ، بل تستلهم من النزاعات المسلّحة الكبرى. يُشير تقرير InSight Crime إلى أنّ "القوّات الروسية والأوكرانية طوّرت استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية والطائرات المسيّرة الموجّهة بالذكاء الاصطناعي، ممّا أرسى سابقةً للابتكار الإجرامي في المنطقة". وعلى الرغم من أنّه لم تُسجَّل بعد حالاتٌ لاستخدام طائرات مسيّرة انتحارية من قِبَل الجريمة المنظّمة في أمريكا اللاتينية، يرى المحلّلون أنّ هذا الاحتمال لم يعد بعيداً.
تتوزّع استخدامات الطائرات المسيّرة الإجرامية على خمسة محاور: المراقبة، واللوجستيات، والهجوم، والإشارة، والتنسيق. وهذا التنوّع يجعل الردّ الحكومي أكثر تعقيداً، إذ لا يكفي التصدّي لنوعٍ واحد من الاستخدام.
يُلخّص Ginn هذا التعقيد بوضوح: "لا يوجد حلٌّ واحد. تتطلّب الاستجابات الفعّالة مزيجاً من التنظيم والكشف والتصدّي والاستخبارات والتعاون على مستوى المنظومة بأكملها". ويُضيف في تحذيرٍ يستحقّ التأمّل: "النقطة المحورية هي أنّه لا ينبغي التعامل مع الطائرات المسيّرة بوصفها مشكلةً تقنية بحتة. فهي جزءٌ من عمليةٍ أوسع للابتكار الإجرامي".
ما الذي ينتظر المنطقة؟
تُشير المعطيات المتوفّرة إلى أنّ المنطقة تقف أمام مرحلةٍ بالغة الحساسية. فمع تسارع وتيرة الأحداث المرتبطة بالطائرات المسيّرة — إذ تجاوزت في أقلّ من عامَين ما تراكم خلال سبع سنواتٍ سابقة — تبدو الاستجابات الحكومية في سباقٍ محموم مع قدرة الجماعات الإجرامية على التكيّف والتطوير.
الاتفاقيات الثنائية كتلك بين كولومبيا والولايات المتحدة، ومنظومات الرصد التي تنشرها المكسيك على حدودها، وتوسيع صلاحيات وحدات الشرطة المتخصّصة في البرازيل — كلّها خطواتٌ في الاتجاه الصحيح. لكنّ الطائرة المسيّرة التي أودت بحياة طفلةٍ في هايتي لم تكن نتاج تقنيةٍ عسكرية معقّدة؛ كانت طائرةً تجارية مُعدَّلة، متاحةً في السوق، وقابلةً للتكرار في أيّ مكانٍ آخر. هذا هو جوهر التحدّي الذي تواجهه دول أمريكا اللاتينية: ليس فقط كيف تُسقط الطائرات المسيّرة، بل كيف تُجفّف المنابع التي تجعل الجريمة المنظّمة قادرةً على الابتكار بلا توقّف.
أخبار ذات صلة

انفصاليّو كيبيك يفوزون بالانتخابات لكن دون أغلبيّة برلمانيّة

فلافيو بولسونارو يرث حركة والده اليمينية.. هل يصل للرئاسة البرازيلية؟

محطّة كوبا النووية: من حلم الاستقلال إلى رمز الخيبة
