كشف الوجه الرقمي لكائن ليتل فوت في جنوب أفريقيا
كشف رقمي لوجه Little Foot، حفريّة نادرة من جنوب أفريقيا تمثل حلقة مهمة في فهم تطور الإنسان. دراسة تجمع بين أحدث تقنيات التصوير والعلوم الحفرية تكشف ملامح وجه يشبه أقاربنا في شرق أفريقيا وتثير تساؤلات جديدة. خَبَرَيْن

قبل 3.67 مليون سنة، كانت كائناتٌ تشبهنا في خطواتها وتختلف عنّا في ملامحها تجوب أرض جنوب أفريقيا، تمشي منتصبةً وتتسلّق الأشجار هرباً من الوحوش. واحدةٌ من هذه الكائنات — عُرفت لاحقاً بـ"Little Foot" — ظلّت محبوسةً في صخور كهف ستيركفونتين لملايين السنين، ثمّ أمضى العلماء عشرين عاماً في استخراجها بالمِشرط والصبر. لكنّ جمجمتها كانت مسحوقةً تحت رواسب الكهف، ومعها الأمل في معرفة ملامح وجهها. اليوم، وللمرّة الأولى، يرى العلم ذلك الوجه — رقمياً.
تقنية تُعيد تشكيل ما سحقه الزمن
نُشرت الدراسة يوم الاثنين في مجلة Comptes Rendus Palevol، وهي ثمرة جهدٍ علمي متعدّد التخصصات يجمع علم الحفريات بأحدث أدوات التصوير الحديثة. فبعد أن استحال إعادة تركيب الجمجمة المادية بسبب تشوّهها الشديد، نقل الباحثون العظام إلى منشأة Diamond Light Source للمسارع الضوئي (Synchrotron) في مقاطعة أوكسفوردشاير بإنجلترا، حيث أُنتجت أكثر من 9,000 صورة بالأشعة السينية عالية الدقة. ثمّ تولّى حاسوبٌ فائق في جامعة Cambridge معالجة هذا الكمّ الهائل من البيانات، ليُنتج إعادةً رقمية للوجه تكشف — للمرّة الأولى — المنطقة العلوية من الوجه وتجاويف العينين.
تقول الدكتورة Amélie Beaudet، الباحثة الفخرية في جامعة Witwatersrand والمشاركة في تأليف الدراسة: "لا يوجد سوى عددٍ قليل من حفريات Australopithecus تحتفظ بوجهٍ شبه مكتمل، ما يجعل Little Foot مرجعاً نادراً وثميناً". وتُضيف: "يحتفظ وجه Little Foot بمناطق تشريحية رئيسية تتعلّق بالرؤية والتنفّس والتغذية، وستقدّم جمجمتها عناصر جوهرية لفهم تاريخنا التطوري".
الهيكل العظمي لـ Little Foot هو الأكثر اكتمالاً بين جميع حفريات Australopithecus المعروفة، إذ يبلغ اكتماله 90%، وهو ما يفوق اكتمال حفرية "Lucy" الشهيرة — Australopithecus afarensis التي عاشت قبل 3.2 مليون سنة في إثيوبيا — بنسبة 50%. اكتُشف الأحفور في التسعينيات على يد عالم الحفريات Ronald Clarke في كهوف ستيركفونتين شمال غرب جوهانسبرغ، ثمّ استغرق استخراجه الكامل عشرين سنةً متواصلة.
وجهٌ يشبه الشرق وإن وُلد في الجنوب
ما كشفته إعادة البناء الرقمي لا يقلّ إثارةً من الناحية التطورية: فحجم وجه Little Foot يقع بين الغوريلا وإنسان الغاب (الأورانغوتان)، غير أنّ شكله أقرب إلى إنسان الغاب والبونوبو. والأهمّ من ذلك أنّ ملامحه الوجهية تُشبه حفريات Australopithecus في شرق أفريقيا، على الرغم من أنّ أصله جنوب أفريقي — وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التواصل بين مجموعات الأسلاف البشريين عبر القارة.
يُعلّق الدكتور Zeray Alemseged، أستاذ في جامعة Chicago، على هذه النتائج بقوله: "كلّ هذا يُظهر مدى تعقيد أنماط التباين في جنس Australopithecus وقُربه من القردة العليا الكبيرة. وهذا ليس مفاجئاً، إذ يتشاركان سلفاً مشتركاً". أمّا Dominic Stratford، الأستاذ المشارك في جامعة Witwatersrand والمشارك في تأليف الدراسة، فيذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أنّ "الدراسة تدعم فكرة أفريقيا بوصفها مشهداً تطورياً مترابطاً، تكيّفت فيه المجموعات مع الضغوط البيئية مع بقائها مرتبطةً من خلال السلالة المشتركة، بدلاً من النظر إلى التطور المبكّر للإنسان باعتباره حادثاً في مناطق معزولة".
وتُوضّح الدكتورة Beaudet الأهمية المنهجية لدراسة الوجه تحديداً: "دراسة الوجه قد تُقدّم معلومات حول كيفية تفاعل أسلافنا وأقاربنا مع بيئتهم. علاوةً على ذلك، يمكن استخدام الخصائص المُحدَّدة في الوجه لمعرفة المزيد عن العلاقات بين المجموعات والأنواع في تلك الحقبة".
جدلٌ علمي لم يحسمه الوجه الجديد
على الرغم من الإنجاز التقني اللافت، يبقى ملفّ Little Foot مفتوحاً على أسئلةٍ جوهرية. فتصنيف الأحفور لا يزال موضع خلاف؛ إذ يرجّح بعض الباحثين انتماءه إلى نوع Australopithecus prometheus، فيما يُعدّه آخرون Australopithecus africanus، وثمّة من يقترح أنّه نوعٌ مجهول كلياً. ويُضاف إلى ذلك جدلٌ حول عمره الجيولوجي الدقيق بسبب تباين تقنيات التأريخ المستخدمة.
يُعبّر الدكتور Jesse Martin، الأستاذ المساعد في جامعة La Trobe الأسترالية، عن تحفّظاتٍ واضحة: "كثيرٌ من الباحثين، بمن فيهم أنا، يشكّكون في نسب Little Foot الحالي إلى Australopithecus prometheus، جزئياً لأنّ هذا النوع يُعدّ عموماً شيئاً واحداً مع Australopithecus africanus". ويُضيف: "لذلك أعتقد أنّ أيّ نقاش حول المسار التطوري لشكل الجمجمة استناداً إلى تاريخٍ أقدم لـ Little Foot سابقٌ لأوانه".
هذا التحفّظ لا يُلغي قيمة الدراسة، لكنّه يُذكّر بأنّ النقاش حول تصنيف الأنواع لا يزال دائراً في الأوساط العلمية، وأنّ تقنيات التأريخ المتعدّدة تُعطي نتائج متباينة تجعل أيّ استنتاجات تطورية مرتبطة بالعمر الزمني بحاجةٍ إلى حذرٍ شديد.
ما يبقى ثابتاً، في خضمّ هذا الجدل، هو أنّ Little Foot — بهيكله العظمي المكتمل بنسبة 90% وبوجهه الرقمي الذي رأيناه للمرّة الأولى — يمثّل أقدم شاهدٍ على التطور البشري في جنوب أفريقيا. وبينما تُواصل الفِرق البحثية تحليل البيانات المستخرجة من آلاف الصور الشعاعية، فإنّ الجمجمة ذاتها لا تزال تحمل أسراراً لم تُفصح عنها بعد — في تفاصيل العظام التي لم تُعالَج بعد، وفي الأسئلة التي تطرحها كلّ إجابةٍ جديدة.
أخبار ذات صلة

هذه الجزيرة كانت موطنًا لأكبر مستعمرة للبطريق على الكواكب، لماذا فقدت هذا اللقب للتو؟

المصريون القدماء كانوا يضحّون بالخدم عند وفاة الملوك

علماء الفلك يكتشفون احتمال ولادة كوكب من رماد نجوم ميتة
