الذكاء الاصطناعي في البرمجة بين الفائدة والشكوك
خَبَرَيْن تستعرض كيف يستخدم معظم المطورين أدوات الذكاء الاصطناعي رغم شكوكهم فيها. توازن بين الفائدة والقلق من فقدان المهارات الحقيقية وسط ضغط مستمر لمواكبة التطور السريع في عالم البرمجة.

«جرّبتُ استخدامه في كتابة الشيفرة، لكنّني ببساطة لم أستطع الاقتناع به»، هكذا تصف المهندسة البرمجية لورا هوش علاقتها بأدوات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تستخدمها منذ عام 2024. بعد عامَين من التجربة، لخّصت هوش شعورها بعبارةٍ واحدة: علاقة حبّ وكره. هذا التناقض نفسه يظهر على نطاقٍ أوسع بكثير في استطلاعٍ جديد أجرته منصّة Stack Overflow، وشاركت نتائجه قبل نشرها يوم الثلاثاء: فبينما يستخدم 65% من المطوّرين أدوات مساعدة أو وكلاء برمجية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، يقول 6 من كلّ 10 عاملين في قطاع التقنية إنّهم يحاولون تجنّب استخدامه كلّما أمكن.
الاستطلاع، الذي شمل 100 سؤال وأجاب عنه 30 ألف مطوّر في 169 دولة، يرسم صورةً أكثر تعقيداً ممّا توحي به عناوين التبنّي السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي في صناعة البرمجيات. فقد كان مهندسو البرمجيات من أوائل الفئات المهنية التي احتضنت هذه الأدوات، وتتسابق الشركات الكبرى والناشئة على حدٍّ سواء لتوظيف الذكاء الاصطناعي في كتابة الشيفرة البرمجية. ولم يكن هذا التبنّي خافياً عن تقرير Indeed Hiring Lab الذي صنّف وظيفة «مطوّر البرمجيات» العام الماضي في مقدّمة الوظائف الأكثر عرضةً للتحوّل بفعل الذكاء الاصطناعي.
لكنّ السؤال الذي يطرحه الاستطلاع فعلياً ليس: هل يستخدم المطوّرون الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف يشعرون حيال استخدامه؟ وهنا تتكشّف الصورة الأقلّ تفاؤلاً.
لماذا يتجنّب المطوّرون أداةً يستخدمونها فعلاً؟
يبدو الأمر متناقضاً للوهلة الأولى: كيف يتجنّب 60% من العاملين أداةً يستخدمها 65% منهم بالفعل؟ التفسير، وفق شهادات المطوّرين أنفسهم، يكمن في الفجوة بين الفائدة التقنية والثقة الفعلية. فأكثر من 74% من المستجيبين يرون أنّ الذكاء الاصطناعي مفيد في تنفيذ الشيفرة البرمجية، ونحو 72% يعتبرونه مساعداً جيداً في تصحيح الأخطاء البرمجية (Debugging). لكن حين يتعلّق الأمر بوظائف العمل الأخرى — كالتواصل والتصميم تنخفض نسبة الرضا إلى 34.4% فقط. والأهمّ: لا يثق سوى 6.6% من المطوّرين بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ قرارات مهمّة، بينما يقول 78% إنّ معرفة مصدر الشيفرة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي أمرٌ ضروري قبل اعتمادها.
هذه الفجوة بين «أداة مفيدة» و«أداة موثوقة» هي ما يفسّر، جزئياً، سلوك التجنّب لدى غالبية المطوّرين رغم انتشار الاستخدام.
تضع المهندسة أودري إشرايت، صاحبة عشرين عاماً من الخبرة في المجال، إصبعها على جوهر المشكلة حين تقول: «كتابة الشيفرة البرمجية هي كيف تحلّ المشكلات». وتضيف موضّحةً أنّ الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بدلاً من كتابة الشيفرة يدوياً قد يُخرج المطوّر من صميم عملية الحلّ نفسها: «بصفتي مهندسة برمجيات، فإنّ عملية اكتشاف ما يفعله النظام هي تغييره». بعبارةٍ أخرى، حين يكتب الذكاء الاصطناعي الشيفرة نيابةً عنك، فأنت تخسر الفهم العميق الذي كان يتكوّن أثناء الكتابة والتعديل اليدويَّين.
أمّا لورا هوش وإشرايت، فتتّفقان على مشكلةٍ أخرى أكثر عملية: افتقار وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى معرفةٍ برمجية واسعة وإلى السياق الخاص بكلّ موظّف ومشروع. تقول هوش إنّ هذا القصور يُولّد احتكاكاً وإرهاقاً يومياً للمطوّرين، وتصف الضغط المستمرّ لمواكبة الأدوات الجديدة بقولها: «الأمر مُرهقٌ لأنّك تُحاط بضجيجٍ دائم يقول: افعل هذا، افعل هذا، وإلّا ستتخلّف عن الركب».
من يتحمّل عبء رفع السقف؟
يرى الرئيس التنفيذي لـ Stack Overflow، براشانث شاندراسيكار، أنّ وتيرة تطوّر الذكاء الاصطناعي «عزّزت» بعض المخاوف الموجودة أصلاً لدى العاملين في القطاع، لا أنّها خلقت مخاوف جديدةً من الصفر. فالمبرمجون الأكثر خبرةً قد يشعرون أنّ مهاراتهم المتراكمة باتت أقلّ أهمّية أمام ما يمكن للذكاء الاصطناعي إنجازه في دقائق. أمّا العاملون في بداية مسيرتهم المهنية، فيواجهون معضلةً مختلفة: يُتوقّع منهم اليوم أداءٌ يوازي خبرة ثلاث سنوات، وفق تعبير شاندراسيكار، الذي يلخّص الوضع بعبارةٍ واحدة: «السقف ارتفع».
ويضيف شاندراسيكار أنّ التحدّي لا يقتصر على إتقان أداة واحدة، بل على اللحاق المستمرّ بمنظومةٍ متغيّرة من الأدوات والنماذج، ما يدفع كثيراً من المطوّرين إلى قضاء أوقات فراغهم في تعلّم تقنياتٍ برمجية جديدة. وهذا تماماً ما تفعله لورا هوش، التي تخصّص جزءاً من وقتها الشخصي لمشاهدة مقاطع فيديو متخصّصة بالذكاء الاصطناعي وقراءة وثائق المنصّات البرمجية، في محاولةٍ لمواكبة إيقاعٍ لا يتوقّف.
ويصف شاندراسيكار حجم هذا التحوّل بقوله: «على الناس أن يُعيدوا تشكيل وظائفهم بالكامل تقريباً، لذا فمن الطبيعي أن يشعر الكثيرون بالقلق إزاء معرفة أيّ جزءٍ من عملهم سيُؤتمت لاحقاً».
أرقامٌ تكشف قلقاً أعمق من الأتمتة
لا ينفصل هذا القلق المهني عن مزاجٍ عام أكثر تشاؤماً داخل القطاع. فقد أظهر الاستطلاع أنّ قرابة ثلث المستجيبين غير راضين عن أدوارهم الوظيفية الحالية، في تراجعٍ عن نسبة 28.4% المسجّلة العام الماضي. ونحو 45% وصفوا أنفسهم بأنّهم «راضون على مضض» (Complacent) عن وظائفهم، بينما لم تتجاوز نسبة من وصفوا أنفسهم بـ«السعداء» فعلياً 22.3% فقط. ومن بين أسباب هذا الاستياء التي رصدها الاستطلاع: الإرهاق المهني، والتعب من وتيرة التطوّر التقني، وعدم اليقين الاقتصادي، وغموض فرص الترقّي الوظيفي.
وهذا المزاج لا يتناقض بالضرورة مع معدّلات الاستخدام المرتفعة للذكاء الاصطناعي في القطاع ذاته. فقد كشف استطلاعٌ أجرته شعبة الأبحاث في Google العام الماضي، وشمل خمسة آلاف متخصّص تقني حول العالم، أنّ 90% منهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في عملهم، بزيادة 14% عن عام 2024. بمعنى آخر: الاستخدام يتوسّع بسرعة، لكنّ الرضا والثقة لا يواكبانه بالوتيرة نفسها.
هل ما تزال الشركات في طور التجربة؟
على مستوى صناع القرار، يبدو أنّ الانتقال من التجريب إلى التطبيق الفعلي بات وشيكاً. فتقرير صادر عن Deloitte في يناير، شمل أكثر من 3,200 من قادة الأعمال والتقنية، أظهر أنّ 54% منهم يتوقّعون نقل 40% أو أكثر من تجاربهم المتعلّقة بالذكاء الاصطناعي إلى بيئة الإنتاج الفعلي، وذلك خلال فترةٍ تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر فقط. وهذا يعني أنّ الضغط الذي يشعر به المطوّرون اليوم لمواكبة الأدوات الجديدة قد لا يكون سوى بداية مرحلةٍ أوسع من إعادة تشكيل طبيعة العمل البرمجي.
وتختصر لورا هوش جوهر ما يقلقها في عبارةٍ لا تتعلّق بفقدان الوظيفة بقدر ما تتعلّق بفقدان شيءٍ أعمق: «لا أحبّ أن أفقد السيطرة؛ أنا أحبّ التفكير النقدي والفضول». ثمّ تضيف، في ما يشبه خلاصةً لتجربتها الممتدّة على مدى عامَين: «بات من المهمّ أكثر من أيّ وقتٍ مضى أن نظلّ أكثر فضولاً».
بين أداةٍ يُقرّ غالبية المطوّرين بفائدتها في المهام التقنية الضيّقة، ونسبة ثقةٍ لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة حين يتعلّق الأمر بالقرارات المهمّة، يبدو أنّ السؤال الذي سيحدّد ملامح مهنة البرمجة في السنوات المقبلة ليس «هل سيحلّ الذكاء الاصطناعي محلّ المبرمجين؟»، بل: من سيملك السيطرة على عملية حلّ المشكلات نفسها حين تتولّى الآلة كتابة الحلّ؟
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق

Google تختبر مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الفضاء قريباً
