ابتكارات كوبية تواجه الظلام وتعيد الحياة اليومية
في ظل انقطاعات الكهرباء والعقوبات الاقتصادية يبدع الكوبيون حلولاً مبتكرة من بناء هوائيات إنترنت إلى استخدام الطاقة الشمسية للدراجات والتبريد الزراعي قصة صمود وإبداع يعيد تشكيل الحياة اليومية في كوبا خَبَرَيْن

في غرفته الصغيرة في منطقة كارابايو (Caraballo)، يجلس دايان ماريرو أمام كاميرا هاتفه، ومروحةٌ قابلة للشحن تدور بجانبه في هواء لا تبرّده مكيّفات معطّلة. هذا الطالب في السنة الثالثة من قسم علوم الحاسوب بجامعة هافانا الزراعية لم يكن يتخيّل يوماً أن يصبح مؤثّراً رقمياً وهو ما عبّر عنه بصراحة حين قال إن الأمر "لم يخطر له على باله". لكنّ تعليمياته على Instagram حول بناء هوائي للإنترنت المحمول بلغت قرابة 800,000 مشاهدة، وباتت مرجعاً لكوبيين يبحثون عن حلول في زمن الانقطاعات المتكرّرة.
كوبا تبتكر في الظلام
الانقطاعات الكهربائية في كوبا لم تعد استثناءً، بل صارت إيقاع الحياة اليومية. العقوبات الأمريكية المفروضة على البلاد تُضيّق الخناق على واردات النفط، فيما تراجع دعم كلٍّ من فنزويلا والمكسيك لإمدادات الطاقة، ليجد المواطن الكوبي نفسه أمام خيارَين: إمّا الاستسلام للعتمة، أو ابتكار طريقٍ للضوء. واختار كثيرون المسار الثاني.
في بلدةٍ سياحية صغيرة تُدعى فينياليس (Viñales)، يعمل أوسيريس إيرنانديز، البالغ من العمر 57 عاماً، مرشداً سياحياً عند كهف الهنود (Indian Cave). لم يتوقّف عن استقبال الزوار رغم انقطاع الكهرباء، إذ يقول: "لديّ محوّل يحوّل الطاقة القادمة من الألواح الشمسية إلى طاقةٍ صالحة للاستخدام في الأجهزة المنزلية". ثلّاجةٌ واحدة تعمل بهذه الطريقة، تكفي لإبقاء ما يلزم من مؤوناتٍ لخدمة السيّاح الذين تضاءل عددهم بشكلٍ لافت.
انهيار السياحة وصمود المزارع
الأرقام تحكي قصّةً مؤلمة: بين يناير ويوليو من العام الجاري، تراجعت السياحة في كوبا بنسبة 62% مقارنةً بالعام الماضي. وهذا التراجع لا يُصيب الفنادق وحدها، بل يمتدّ أثره إلى كلّ من يعيش على هامش هذا القطاع من المرشدين السياحيين إلى أصحاب المزارع الصغيرة.
على مسافةٍ قريبة من فينياليس، تقف مزرعة El Olivo الزراعية البيئية شاهداً على إرادةٍ لا تستسلم. تعتمد المزرعة على الألواح الشمسية والفحم النباتي لبسترة الحليب وإنتاج الزبادي والجبن، وتوزّع منتجاتها في فينياليس وهافانا رغم شُحّ الطلب السياحي. يلخّص أوسنيل كوراليس، أحد أبناء عائلة المزرعة، الفلسفة التي تحكم عملهم في جملةٍ واحدة: "الأبقار يجب أن تُحلب بصرف النظر عن أيّ شيء".
هذه الجملة تختزل شيئاً أعمق من روتين يومي: إنّها تعبيرٌ عن ثقافة التكيّف التي صقلتها عقودٌ من الشُّحّ في كوبا. فالكوبيون لا يكتشفون الصمود اليوم بل يُعيدون توظيف مهاراتٍ موروثة في مواجهة أزمةٍ جديدة.
دراجاتٌ تحت الشمس في هافانا
في هافانا، التي يقطنها قرابة 1.8 مليون نسمة، ظهر حلٌّ بسيط وعملي لأزمة الوقود: الدراجات الثلاثية الكهربائية التي تعمل بالطاقة الشمسية، وباتت وسيلةً للنقل العام في شوارع العاصمة. كلّ دراجةٍ تحمل حتى ستة ركّاب، وتعمل ببطاريات ثلاث قابلة للشحن عبر شبكة الكهرباء أو عبر لوحٍ شمسي مثبّت على سقفها.
أوغوستو أحد مشغّلي هذه الدراجات، يستأجر واحدةً منها بحوالي 9,000 بيسو كوبي (ما يعادل 15 دولاراً) في اليوم. في مدينةٍ تعاني من شُحّ الوقود، تحوّلت هذه المركبات الصغيرة إلى شريانٍ يومي يربط الأحياء ببعضها.
ابتكارٌ رقمي في زمن العقوبات
يبقى المشهد الرقمي مقيّداً بقيودٍ إضافية: تطبيق TikTok محظورٌ في كوبا بسبب العقوبات الأمريكية، ما يجعل Instagram المنصّة الأبرز للمحتوى المحلي. هنا يبرز دور ماريرو مجدّداً فتعليماته لا تُعلّم الكوبيين فقط كيف يبنون هوائياً، بل تُعلّمهم كيف يتحايلون على البنية التحتية المتهالكة بأدواتٍ في متناول اليد.
ما يجري في كوبا اليوم ليس مجرّد أزمةٍ تُدار بصبر، بل هو اختبارٌ حقيقي لقدرة مجتمعٍ على إعادة اختراع نفسه تحت ضغطٍ مزدوج: عقوباتٌ خارجية تُضيّق الأفق، وبنيةٌ تحتية داخلية تتآكل. والسؤال الذي يبقى معلّقاً هو: إلى متى يمكن للابتكار الفردي أن يسدّ الفجوات التي تتركها السياسات الكبرى؟
أخبار ذات صلة

انفصاليّو كيبيك يفوزون بالانتخابات لكن دون أغلبيّة برلمانيّة

فلافيو بولسونارو يرث حركة والده اليمينية.. هل يصل للرئاسة البرازيلية؟

محطّة كوبا النووية: من حلم الاستقلال إلى رمز الخيبة
