الصين ترفع دقة الهجمات الإيرانية في مضيق هرمز
خَبَرَيْن تكشف كيف ساهمت بيانات الأقمار الصينية في تعزيز دقة الهجمات الإيرانية على قواعد أمريكية ومضيق هرمز وسط غموض حول دور بكين الرسمي وتزايد التوترات بين واشنطن وطهران في مواجهة استراتيجية معقدة بالمنطقة.

يدخل السلاح الصيني، بصورةٍ غير معلنة، على خطّ مواجهةٍ ممتدّة منذ سبعة أشهر بين واشنطن وطهران، إذ تشير تقييمات استخباراتية أمريكية حديثة إلى أنّ بيانات الأقمار الاصطناعية الصينية والدعم الجيومكاني ساهما في رفع دقّة الهجمات الإيرانية على قواعد أمريكية وسفنٍ عابرة في مضيق هرمز. وبينما يُقرّ مسؤولون أمريكيون بأنّ هذا الدعم ليس العامل الوحيد وراء تحسّن الأداء العسكري الإيراني، فإنّ حجمه الحقيقي، وما إذا كانت بكين قد أذنت به رسمياً، يظلّان بلا إجابةٍ قاطعة حتى الآن.
كيف أسهمت بيانات الأقمار الصناعية في ضربة الأردن؟
نقل عن أربعة مصادر مطّلعة على التقييمات الاستخباراتية الأمريكية أنّ صوراً صينية ساعدت إيران في تنفيذ ضربتها في يوليو على قاعدةٍ أمريكية في الأردن، وهي الضربة التي أودت بحياة ثلاثة جنود أمريكيين. وأكّد مسؤولون أمريكيون أنّ دقّة تلك الضربة تجاوزت ما كانت طهران قادرةً عليه في السابق، وهو ما جعل بعض المسؤولين يصفون الاستخبارات الصينية بأنّها كانت عاملاً حاسماً في تنفيذها. وفي هذا السياق، قال مصدرٌ مطّلع على التقييمات الاستخباراتية: «هناك سببٌ لتحسّن استهدافهم، ويعود ذلك إلى بعض المساعدة»، مضيفاً أنّ «اكتساب الخبرة في ساحة المعركة يساعد، لكنّ الحصول على يدٍ مساعدة يساعد أكثر بكثير».
وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" أوّل من كشف عن الرابط بين بيانات الأقمار الصناعية الصينية وضربة الأردن، في تقريرٍ أثار لاحقاً تساؤلات إعلامية وُجّهت إلى المتحدث باسم الخارجية الصينية غوو جياكون.
مضيق هرمز: نقطة الضغط التي لا تفرّط بها طهران
تُدرك القيادة الإيرانية أنّ مضيق هرمز يمثّل أكبر أوراق ضغطها الجيوسياسية، ولذلك تواصل استهداف السفن المرافقة الأمريكية والسفن التجارية العابرة فيه، في اضطراباتٍ ساهمت في رفع أسعار النفط عالمياً. وبحسب التقييمات ذاتها، فإنّ البيانات الجيومكانية الصينية حسّنت قدرة إيران على تتبّع السفن داخل المضيق، ما رفع احتمالات إصابة الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية لأهدافها.
ويصف مسؤولٌ أمريكي منطقةً جغرافية داخل المضيق بـ"العقدة" (knuckle)، وهي النقطة التي تُطلق منها القوات الإيرانية عدداً كبيراً من الطائرات المسيّرة الحرارية التي لا يمكن توجيهها في الجو بعد إطلاقها، والتي تعتمد على التقاط بصمة الحرارة المنبعثة من هياكل السفن. وقال مصدران إنّ الصور الصينية ساعدت في تحديد توقيت إطلاق هذه الطائرات بدقّةٍ أكبر خلال عمليات المرافقة الأمريكية. ففي إحدى عمليات المرافقة، اعترضت القوات الأمريكية أكثر من عشرة صواريخ إيرانية، وأسقطت نحو 20 طائرة مسيّرة، فيما نفّذت عملياتٍ هجومية استهدفت نحو 60 موقعاً في منطقة المضيق.
دعمٌ لا يمكن قياسه بدقّة
رغم هذه المؤشرات، يقرّ المسؤولون الأمريكيون بعجزهم عن تحديد حجم المساعدة الصينية بدقّة، بل إنّهم يختلفون فيما بينهم حول مداها الفعلي. كما يبقى مدى تفويض الحكومة الصينية لهذا الدعم غامضاً؛ فبحسب مصدرٍ استخباراتي خامس، تريد بكين في المقابل إنهاء الاضطرابات في المضيق، وهو موقفٌ ينسجم مع معارضتها العلنية لمحاولات إيران فرض رسومٍ أو عرقلة الملاحة فيه.
ولا تقتصر المساعدة الخارجية لإيران على الصين، إذ تقدّم روسيا كذلك دعماً عسكرياً لطهران، وتساهم الدولتان معاً في تقديم مساعدة تقنية لأنظمة توجيه الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. كما أرسلت الصين أنظمة دفاعٍ جوّي إلى إيران. ويضاف إلى ذلك عاملٌ آخر يعترف به المسؤولون الأمريكيون أنفسهم، وهو اكتساب القوات الإيرانية خبرةً ميدانية متراكمة، إذ قال أحد المصادر: «يتحسّنون لأننا منحناهم عملياً مزيداً من الوقت للتدريب»، مضيفاً أنّ إيران باتت تُسقط طائرات "إم كيو-9 ريبر" (MQ-9 Reaper) الأمريكية "يميناً وشمالاً".
بين نفي بكين وتحفّظ واشنطن
نفت الصين ما يُنسب إليها من دعمٍ مباشر لإيران في هذا الملف. وقال المتحدث باسم خارجيتها غوو جياكون: «الصين تفي دائماً بالتزاماتها الدولية بدقّةٍ، ونعارض استغلال النزاع لتشويه سمعة الصين». في المقابل، تجنّبت إدارة ترامب إلى حدٍّ كبير توجيه إدانةٍ علنية للصين بشأن دعمها لإيران، وامتنع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن الخوض في تفاصيل المساعدة الصينية المزعومة في الاستهداف عقب ضربة الأردن. وقال روبيو، في تصريحاتٍ صحفية: «لم يغيّر أيّ شيءٍ فعلته الصين بأيّ شكلٍ من الأشكال مسار… النزاعات التي نخوضها مع إيران»، مضيفاً: «في الواقع، في بعض الحالات، كانوا متعاونين إلى حدٍّ كبير».
ويتوقّع أحد المسؤولين الأمريكيين أن يُطرح ملفّ الدعم الصيني لإيران خلال الزيارة الرسمية التي يقوم بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن، حيث يلتقي نظيره الأمريكي دونالد ترامب يومَي الخميس والجمعة. غير أنّ حرص إدارة ترامب على الحفاظ على علاقاتٍ إيجابية مع بكين قد يفسّر جانباً من التحفّظ الرسمي في التعامل مع هذا الملف حتى الآن.
عقوباتٌ على شركات التصوير الفضائي
في مايو، فرضت إدارة ترامب عقوباتٍ على ثلاث شركاتٍ صينية للأقمار الصناعية، بعدما خلص مسؤولون أمريكيون إلى أنّ الصور التي توفّرها هذه الشركات "تُمكّن إيران من تنفيذ ضرباتٍ عسكرية ضدّ القوات الأمريكية في الشرق الأوسط"، على حدّ تعبير الوصف الرسمي للإدارة الأمريكية. وتأتي هذه الخطوة ضمن استهداف الإدارة الأمريكية لصور الأقمار الصناعية التجارية الصينية خلال النزاع، في محاولةٍ لتقليص القدرة الإيرانية على استخدامها في التخطيط للهجمات.
قواعد أمريكية أكثر هشاشة ممّا كانت عليه في 2020
ليست هذه المرّة الأولى التي تُظهر فيها إيران قدرتها على استهداف قواعد أمريكية في الشرق الأوسط؛ ففي عام 2020، وبعد أن أمر ترامب بمقتل جنرالٍ إيراني بارز خلال ولايته الأولى، أثبتت طهران قدرتها على ضرب هذه القواعد. لكنّ قدرات إيران في الضربات الدقيقة تطوّرت بشكلٍ ملحوظ منذ ذلك الحين، إذ ألحقت الضربات الإيرانية خلال الأشهر الأولى من الحرب الحالية أضراراً بمئات المنشآت في القواعد الأمريكية الإقليمية، بحسب تقريرٍ صادر عن المفتش العام في وزارة الدفاع الأمريكية، شمل قواعد في الكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية والعراق وعُمان والأردن. وأشار التقرير إلى أنّ القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) "نقلت أفراداً وأصولاً ومرافق تخزين" بعد الهجمات الإيرانية وهجمات الجماعات الموالية لها، في تعديلٍ اضطراري لأساليب العمل التقليدية في المنطقة.
وتكمن نقطة الضعف الأمريكية الحالية تحديداً في التصدّي للصواريخ والطائرات المسيّرة التي تحلّق على ارتفاعاتٍ منخفضة إلى متوسّطة، ذلك أنّ الأنظمة الدفاعية الأمريكية طُوّرت أساساً لاعتراض المقذوفات عالية الارتفاع، وهي أنظمةٌ أكثر تكلفةً وتطوّراً في مواجهة تلك التهديدات. ولهذا السبب، يجري حالياً تركيب دفاعاتٍ إضافية في بعض القواعد الأمريكية والمواقع الدبلوماسية في الشرق الأوسط.
قطع غيار مزدوجة الاستخدام وحرب لم تنتهِ فصولها
يبدي المسؤولون الأمريكيون قلقاً متزايداً إزاء استيراد إيران مكوّناتٍ مزدوجة الاستخدام، بما فيها قطع غيار صينية تُستخدم في إعادة بناء ترسانتها العسكرية ومواصلة القتال، في تطوّرٍ يتّسق مع تقييماتٍ استخباراتية أمريكية سابقة حول إعادة بناء المخزون العسكري الإيراني. وقال أحد المسؤولين الأمريكيين بوضوح: «من دون القطع الصينية لن يكونوا على الأرجح قادرين على مواصلة القتال، الأمر بهذه البساطة».
ولم تردّ السفارتان الصينية والإيرانية في واشنطن، ولا وزارة الدفاع الأمريكية، ولا البيت الأبيض، على طلبات التعليق قبل نشر هذه المعلومات.
مع دخول الحرب شهرها السابع، ومع استمرار طهران في تهديد الأصول الأمريكية الإقليمية والضغط على واشنطن وحلفائها، تبقى قمّة واشنطن بين ترامب وشي جين بينغ، يومَي الخميس والجمعة، محطّةً مرتقبة قد تكشف ما إذا كانت المصالح الاقتصادية والدبلوماسية بين البلدين ستطغى على ملفّ الدعم الصيني لإيران، أم أنّ واشنطن ستجد نفسها مضطرّةً، عاجلاً أم آجلاً، إلى مواجهة هذا الملف علناً. يُذكر أنّ ترامب كان قد أوقف العمليات القتالية الشاملة قبل استكمال الجيش الأمريكي قائمة أهدافه بالكامل، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام تصعيدٍ محتمل في أيّ لحظة.
أخبار ذات صلة

ترامب وإيران: لماذا قد يختاران الانتظار حتى الانتخابات النصفية؟

ترامب والمصانع الإيرانية: فكّ تشفير ادّعاءات جديدة حول المواقع النووية

تصعيد الحوثيين يعمّق الأزمة و واشنطن تتحفّظ على التدخّل
