حملة تجسس صينية تستهدف خبراء الذكاء الاصطناعي الأمريكيين
حملة تجسس صينية تستهدف خبراء أمريكيين في سياسات الذكاء الاصطناعي عبر انتحال هويات ومساعي اختراق بريدهم الإلكتروني. كيف يحمي الخبراء أنفسهم وسط تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين؟ التفاصيل في خَبَرَيْن.

تخيّل أن تتلقّى بريداً إلكترونياً من مسؤولةٍ سابقة في البيت الأبيض عملت معك سنوات، تدعوك فيه للانضمام إلى لجنةٍ استشارية معنية بسياسات الذكاء الاصطناعي. الرسالة تبدو موثوقة، الأسلوب مألوف، والاسم معروف. لكنّ المرسل ليس من تظنّ، بل جهة تتخفّى خلف هويته لاختراق بريدك الإلكتروني. هذا بالضبط ما وقع، وفق تقريرٍ نشرته شركة الأمن السيبراني Proofpoint مقرّها وادي السيليكون، الخميس، كاشفةً عن حملة تجسّس يُشتبه في وقوفها خلفها جهات صينية، استهدفت خبراء أمريكيين معنيين بسياسات الذكاء الاصطناعي.
الضحية المحتملة في هذه الحالة هي لين باركر، التي شغلت منصباً تقنياً رفيعاً في البيت الأبيض في عهدَي الرئيسَين دونالد ترامب وجو بايدن، وتعمل حالياً نائبةً فخريةً لرئيس الجامعة في جامعة تينيسي بنوكسفيل. انتحل مشغّلو الحملة هويتها في رسالةٍ أُرسلت إلى شخصٍ يعمل في مكتب محاماة أمريكي، دعته فيها للانضمام إلى «لجنة استشارية لسياسات الذكاء الاصطناعي»، ثم أتبعوها برسالةٍ أخرى تضمّنت مستنداً مُحمّلاً ببرمجيات خبيثة، يُفترض أنه يحتوي على تفاصيل اللجنة. لم تكتشف باركر الأمر بنفسها، بل تواصل معها زملاء بعد أن وصلتهم رسائل مشبوهة من أشخاصٍ يدّعون أنهم هي.
تصف باركر شعورها بالقول: «كان شاغلي الأول هو الزملاء الذين قد يتلقّون الرسالة المنتحلة»، مضيفةً: «أردتُ تحذيرهم لكنّني أدركتُ أنّ ذلك صعبٌ للغاية حين لا أعرف من المستهدَف». وتابعت: «على المستوى الشخصي، شعرتُ بالحزن لأنّ علاقاتٍ بنيتُها طوال مسيرتي المهنية استُغلّت من جهاتٍ سيّئة النية لخداع آخرين».
كيف جرى انتحال موظف في Anthropic؟
لم تكن باركر الهدف الوحيد. ففي 26 فبراير، وصلت رسالة إلى محلّل سياسات ذكاء اصطناعي يعمل في مركز أبحاث أمريكي، منتحلةً هوية موظف رفيع في شركة Anthropic الأمريكية، وحمل عنوان الرسالة إشارة إلى «طلب ملاحظات بشأن الدمج العسكري لنموذج Claude»، وهو نموذج الذكاء الاصطناعي الذي طوّرته الشركة. وبحسب Proofpoint، سعى تبادل الرسائل إلى سرقة بيانات اعتماد البريد الإلكتروني الخاصة بالمحلّل.
واللافت أنّ هذه الرسالة وصلت قبل يومٍ واحد فقط من قرار إدارة ترامب إلزام الوكالات الفيدرالية والمقاولين العسكريين بوقف التعامل مع Anthropic، بعد أن رفضت الشركة السماح للبنتاغون باستخدام تقنيتها دون قيود. وتجدر الإشارة إلى أنّ Anthropic كانت قد اصطدمت سابقاً مع إدارة ترامب حول ضمانات استخدام الذكاء الاصطناعي.
امتدّت الحملة، وفق تحليل Proofpoint، لتشمل خبراء آخرين متخصّصين في ضوابط تصدير الذكاء الاصطناعي واستخداماته العسكرية، يعملون في جامعات أمريكية ومراكز أبحاث ومكاتب محاماة. ولا يبدو اختيار هذه الفئة عشوائياً: الوصول إلى الحياة الرقمية لهؤلاء الخبراء قد يمنح بكين نافذةً على النقاش الداخلي الأمريكي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، وهو نقاشٌ يحدّد شكل السياسات التي ستُفرض على الصناعة في السنوات المقبلة.
ماذا يعني "لم نجد دليلاً على اختراق"؟
تؤكّد Proofpoint أنها لم تعثر على أدلّة تثبت نجاح أيٍّ من محاولات الاختراق في المؤسسات المستهدَفة، في فبراير ويوليو. لكن هذا لا يعني أنّ الحملة فشلت تماماً أو أنّها انتهت، إذ أقرّت الشركة بأنها ربما لم تكتشف سوى جزءٍ من النشاط الفعلي، مشيرةً إلى أنّ الجماعات المرتبطة ببكين معروفة بمحاولاتها المتكرّرة حتى تحقّق اختراقاً ناجحاً. بعبارةٍ أخرى، غياب الدليل على نجاح الاختراق ليس دليلاً على عدم وجوده.
ويستند تقييم الشركة لهوية الجهة المهاجمة إلى معطياتٍ تقنية لا إلى تخمين. يقول الباحث في Proofpoint مارك كيلي: «نحن واثقون من أنّ جماعة القرصنة جهة تهديد مرتبطة بالحكومة الصينية، استناداً إلى نمط الاستهداف المتّسق مع مصالح الحكومة الصينية، والبنية التحتية والعناصر التقنية التي رُصدت، وتأكيدات من شركاء في الصناعة».
سياقٌ أوسع من التنافس الأمريكي الصيني
لا يمكن فصل هذه الحملة عن التوتر المتصاعد بين واشنطن وبكين حول الريادة في الذكاء الاصطناعي. فقبل أسبوع فقط، بحث الرئيس ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ ملفّ الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض، دون التوصّل إلى أيّ اتفاقٍ جوهري. ويُعرف عن ترامب مقاومته للدعوات المطالبة بوضع ضوابط صارمة على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدّمة، خشية أن تتخلّف الولايات المتحدة عن الصين في هذا السباق.
وفي الشهر الماضي، اتهمت إدارة ترامب شركات ذكاء اصطناعي صينية بسرقة أسرارٍ تجارية من شركاتٍ أمريكية على نطاقٍ وصفته الإدارة بأنه «على مستوى صناعي» (industrial-scale)، قائلةً إنّ هذه السرقة توفّر على الشركات الصينية المال وتسرّع وصولها إلى التقنية. ونفت الصين هذه الاتهامات، كما تفعل عادةً مع مزاعم القرصنة الأمريكية.
ولم تقتصر التحذيرات على الولايات المتحدة؛ ففي بريطانيا، كشف جهاز الاستخبارات الداخلية (MI5) الأربعاء أنّ أكاديميين بريطانيين ساهموا بأبحاثٍ في مجالَي الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني لمعهدٍ صيني له صلاتٌ وثيقة بالاستخبارات الصينية، موضحاً أنّ بعض هؤلاء الأكاديميين ربما لم يكونوا على علمٍ بتلك الصلات. ويمكن الاطلاع على تفاصيل تحذير MI5 في البيان الرسمي للجهاز.
هل تحمي الولايات المتحدة منظومتها التقنية؟
يرى خبراء يتابعون نشاط القراصنة الصينيين أنّ الأهداف لا تقتصر على صنّاع السياسات، بل تمتدّ عبر منظومة الذكاء الاصطناعي بأكملها، من مصنّعي أشباه الموصلات إلى المتخصّصين في تطوير النماذج. وبحسب هؤلاء الخبراء، فإنّ قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تفوّقها في هذا المجال قد تتوقّف على مدى نجاحها في حماية هذه المنظومة من الاختراق.
تلخّص باركر جوهر القلق بقولها: «إتقان سياسة الذكاء الاصطناعي أمرٌ أساسي لأمننا القومي وتنافسيتنا الاقتصادية»، مضيفةً: «وهذا يشمل حماية الأشخاص والمؤسسات الذين تساهم خبرتهم في تشكيل تلك القرارات». وبين إقرار Proofpoint بأنها ربما لم تكشف سوى طرفٍ من الحملة، وتحذير MI5 من اختراقٍ أكاديمي أبطأ وأعمق، يبدو أنّ المعركة على المعلومة التقنية باتت لا تقلّ أهمية عن المعركة على الرقاقة نفسها.
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق
