كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي على تعلم الأطفال والمراهقين
كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي على تعلم الأطفال والمراهقين؟ كيف يمكن للآباء توجيه استخدامه بحكمة للحفاظ على التفكير النقدي والعلاقات الاجتماعية؟ اكتشفوا نصائح مهمة في خَبَرَيْن تساعدكم على التعامل مع الذكاء الاصطناعي في حياة أطفالكم.

عند وقت النوم، وبينما كانت الدكتورة إديث براتشو-سانشيز تقرأ لابنها ذي الأربع سنوات كتاباً عن الحشرات، قاطعها الطفل بجملةٍ واثقة: «الصرصور يضع مئات البيوض، لا ملايينها». استغربت الطبيبة التصحيح، فسألته: «هل سألتِ Siri يا حبيبي؟» فأجابها بثقةٍ لا تخلو من سخرية طفولية: «Siri مفيد فقط لمعرفة حالة الجو يا ماما، لكن إذا أردتِ معرفة أشياء حقيقية، عليك أن تسألي ChatGPT». تبيّن لاحقاً أنّ الطفل استخدم هاتف والده قبل أسبوعٍ واحد ليتحقّق من صحّة ما ورد في كتابه المفضّل، وأنّ إجابة الذكاء الاصطناعي التوليدي كانت أدقّ من الكتاب المطبوع نفسه.
لم تكن المشكلة في دقّة المعلومة، بل في اللحظة التي أدركت فيها براتشو-سانشيز، وهي طبيبة أطفال في الرعاية الأولية بـ Columbia University Irving Medical Center في نيويورك ومقدّمة بودكاست Healthy Children التابع لـ American Academy of Pediatrics، أنّ الحوار الذي كانت تتوقّعه في مرحلةٍ لاحقة من طفولة ابنها قد بدأ فعلاً، وبلا استعدادٍ منها. فكثيرٌ من الأطفال الصغار، كما تقول، يستخدمون الذكاء الاصطناعي أصلاً، وربما قبل أن يعرف آباؤهم بذلك.
لماذا يختلف الذكاء الاصطناعي عن التلفاز والألعاب التفاعلية؟
اعتادت نقاشات "وقت الشاشة" أن تتركّز على مدّة الاستخدام وجودة المحتوى: كم ساعةً يُسمح بها؟ وما نوع البرامج المناسبة؟ لكنّ الذكاء الاصطناعي التوليدي يغيّر السؤال جذرياً، لأنّه لا يعرض محتوى ثابتاً، بل يستجيب بشكلٍ فوري ومحدّد لكلّ سؤال، ويتذكّر أسئلة الطفل السابقة، أي أنّه يتصرّف بأسلوبٍ يشبه انتباه شخصٍ بالغ يستمع فعلاً ويتذكّر.
هذا التشابه بالضبط هو ما يقلق براتشو-سانشيز. فالأطفال الصغار يتعلّمون اللغة والقواعد ومعرفة العالم من خلال ثقتهم بما يقوله لهم الكبار بنبرةٍ واثقة، وطفلٌ في السادسة من عمره لا يملك بعد قدرةً ثابتة على تقييم مصادر المعلومات أو مصداقيتها، بخلاف طفلٍ في الرابعة عشرة أكثر قدرةً على التشكّك. والأخطر أنّ الأطفال قد يتعلّقون بأيّ شيءٍ يستجيب لهم باستمرارٍ وبشكلٍ متوقّع، حتى لو كان مجرّد برنامج حاسوبي يقلّد الحوار دون أن يفكّر أو يشعر أو يبني علاقة حقيقية.
وثمّة كلفة أخرى أقلّ وضوحاً: إذا وصلت إجابات الواجبات المنزلية جاهزةً قبل أن يحاول الطفل حلّ المسألة بنفسه، يفقد فرصة التمرّن على التفكير، وقد يقلّ ميله لتكوين صداقاتٍ حقيقية إذا وجد في الروبوتات محاوراً بديلاً. تقول براتشو-سانشيز إنّ التعلّم في الطفولة يقوم أساساً على التخمين والخطأ والمحاولة مجدداً والجدال قبل الوصول إلى الاكتشاف، وأنّ الذكاء الاصطناعي قادرٌ على تقليص تلك المسافة بين "لا أعرف" و"فهمت" بسرعةٍ قد تُفقد الطفل هذه التجربة التكوينية بالكامل.
ماذا عن المراهقين؟ الفرق جوهري
على عكس الأطفال الصغار، يفهم المراهقون عموماً أنّ الذكاء الاصطناعي ليس شخصاً حقيقياً. لكنّ هذا الفهم العقلي لا يمنع أن يكون تأثيره العاطفي مختلفاً، خصوصاً في الساعة الحادية عشرة مساءً، حين يواجه المراهق صعوباتٍ اجتماعية تتعلّق بالصداقة أو الرفض أو الهوية أو الانتماء، فيجد في محاورٍ متاحٍ دائماً وغير حاكم عليه شيئاً جذّاباً يصعب تجاهله.
هنا يكمن الخطر الأكبر بحسب براتشو-سانشيز: أن يتحوّل استخدام الذكاء الاصطناعي من أداةٍ مساعدة إلى بديلٍ عن رسالة نصّية من صديق، أو محادثة مع أحد الوالدين، أو حتى جلسة علاج نفسي. فبعض منتجات الذكاء الاصطناعي مصمّمة أصلاً لإطالة تفاعل المستخدم معها، وحوافزها التجارية ليست بالضرورة مطابقة لمصلحة من يهتمّ فعلاً برفاهية المستخدم.
كيف يوجّه الآباء أطفالهم بحسب أعمارهم؟
توصي براتشو-سانشيز الآباء باستخدام الذكاء الاصطناعي مع الأطفال الصغار بشكلٍ مشترك ومحدود، مقتصرٍ على أسئلةٍ واقعية يُطرح فيها السؤال بحضورٍ مباشر من أحد الوالدين. وتقترح صياغةً واضحة يمكن للأطفال استيعابها: «هذا برنامج حاسوبي يُولّد الإجابات، إنّه ليس شخصاً، وقد يكون مخطئاً في بعض الأحيان». كما تنصح بأن يعترف الوالد أحياناً بعبارة «لا أعرف» ثم يستكشف الإجابة مع طفله بدل تركه يبحث بمفرده، أو أن يشاركه لحظة «توصّلت إلى الحلّ» كنموذجٍ إيجابي للتفكير الذاتي، وحتى بسؤالٍ بسيطٍ مثل «ما رأيك أنت؟» قبل اللجوء إلى الشاشة.
مع المراهقين، يتحوّل دور الآباء من الرقابة المباشرة إلى تعليم مهارات التشكّك: أن تكون الإجابة واثقة لا يعني أنّها صحيحة، وأنّ أيّ معلومةٍ يقدّمها الذكاء الاصطناعي يجب التحقّق منها من مصدرٍ آخر. ولا يقلّ عن ذلك أهمية تنبيه المراهقين إلى أنّ برامج الذكاء الاصطناعي تجمع بياناتهم وتحتفظ بها، وأن يراقب الآباء ليس فقط ما يسأله أبناؤهم، بل ما إذا كانوا "يتحدّثون" إلى الروبوت كما يتحدّثون إلى صديق، لا يسألونه فقط. الهدف، كما تلخّصه براتشو-سانشيز، هو تعليم الأطفال والمراهقين ما هو مفيد في الذكاء الاصطناعي وما لا يمكنه فعله أبداً: «الذكاء الاصطناعي لا يمكنه أن يرعى ابني أو يحبّه»..
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق
