برايتون يسقط أرسنال بثلاثية ويعيد رسم الدوري
برايتون يوقف سلسلة أرسنال بلا هزيمة بثلاثية نظيفة في ملعب فالمر بفضل خطة ضغط محكمة وأداء مميز لباسكال غروس. خلافات بين أرتيتا وهورتسلر تتحول لاحترام بعد مباراة تكتيكية مثيرة على خَبَرَيْن.

في الدقيقة الحادية والثلاثين من مباراةٍ كانت أرسنال تدخلها بسجلٍّ خالٍ من الهزائم، ارتفعت كرةٌ عابرة سكنت شباك ديفيد رايا بتسديدةٍ من باسكال غروس. لم تكن تلك سوى بداية ليلٍ طويل على فريق ميكيل أرتيتا في ملعب فالمر، حيث أنهى برايتون آند هوف ألبيون الرحلة بثلاثية نظيفة أعادت رسم صورة الدوري الإنجليزي الممتاز، وأسكتت في الوقت ذاته خلافاً علنياً امتدّ لأسابيع بين المدرّبين فابيان هورتسلر وأرتيتا.
الفوز لم يكن مجرّد نتيجة عابرة على لوحة الترتيب، بل تجسيدٌ كامل لخطّةٍ فرضها هورتسلر منذ الصافرة الأولى: ضغطٌ عالٍ، تنظيمٌ دفاعي محكم، وثقةٌ جماعية جعلت من أرسنال، أحد أكثر فرق الدوري تفوّقاً تقنياً، يبدو تائهاً في نصف ملعبه.
كيف تحوّلت خطة الضغط إلى ثلاثية كاملة؟
منذ اللحظات الأولى، لم يمنح لاعبو برايتون خصومهم لحظة راحة واحدة. الضغط بدأ من الرمية الأولى، بحسب وصف أرتيتا نفسه: "من أول رمية تماس"، في إشارةٍ إلى الشدّة التي فرضها المنافس منذ البداية. النتيجة كانت تسع استعادات في الثلث الهجومي لبرايتون، وهو رقمٌ لم يسبق أن سجّله فريقٌ ضد أرسنال منذ أن حقّقه ليفربول في ديسمبر 2023. الفارق أن برايتون كرّر هذا الأداء بانتظامٍ يفتقده الكثيرون؛ فالفريق يمتلك حتى الآن 35 استعادة في الثلث الهجومي هذا الموسم في البطولة، متقدّماً بفارق ثماني استعادات على إيفرتون صاحب المركز الثاني في هذا السجل.
من الناحية التكتيكية، أجبر هذا الضغط أرسنال على التخلّي عن بنائه المعتاد من الخلف. رايا نفسه أخطأ في تمرير ثلاثٍ من أصل سبع كراتٍ خلال الدقائق الخمس عشرة الأولى، وجميعها جاءت تحت ضغطٍ مباشر من لاعبي برايتون، ما دفع أرسنال نحو الكرات الطويلة والمخارج الجانبية عبر يورين تيمبر وريكاردو كالافيوري، بدلاً من اللعب المنظّم الذي عُرف به فريق أرتيتا.
هورتسلر لخّص المشهد التكتيكي بجملة تحمل ثقة المدرّب الذي رأى خطّته تتحقّق حرفياً على أرض الملعب: "المفتاح كان أن كل لاعبٍ يدخل في مواجهةٍ ثنائية كان يشعر دائماً أن أحد زملائه خلفه". وأضاف متسائلاً عن جوهر فلسفته: "إذا هُزم لاعبٌ، كان التالي (الزميل) موجوداً هناك. السؤال هو: هل يمكنكم الاعتماد على بعضكم بعضاً في الملعب؟ هل تثقون ببعضكم؟ هل يعرف كل واحدٍ دوره في الكرات الثابتة؟ هل أنتم متيقّظون تماماً في كل لحظة من المباراة؟". أما عن الجانب الدفاعي البحت، فكان واضحاً في أولويّته: "الأهم هو ألا نستقبل أي أهداف في الخلف".
في المقابل، اعترف أرتيتا بصراحةٍ نادرة بحجم المشكلة التي واجهها فريقه: "الأخطاء التقنية في نصف ملعبنا؛ لم نُراعِ أياً من مبادئ اللعب التي يجب اتّباعها للخروج من هذه المواجهات الفردية. كنّا في وضع دفاعٍ مستمر".
من خلافٍ علني إلى مصالحةٍ متأخرة
القصة بدأت قبل أسابيع، عندما خسر برايتون 1-0 أمام أرسنال في مطلع مارس، رغم تفوّقه في أغلب الإحصائيات المرتبطة بالمباراة. الهدف الوحيد جاء لبوكايو ساكا بعد خطأٍ جسيم من الحارس بارت فربروخن. ذلك اليوم، لم يُخفِ هورتسلر استياءه، بل وجّه انتقاداتٍ مباشرة لفلسفة أرتيتا الكروية وأسلوب لعب أرسنال، قائلاً وقتها إن فريقاً واحداً فقط حاول أن يلعب كرة قدم حقيقية: "لم يكن هناك سوى فريقٍ واحد اليوم حاول أن يلعب كرة القدم". ولم يتوقّف عند ذلك، إذ أضاف بلهجةٍ أكثر حدّة: "لن أكون أبداً مدرّباً يحاول الفوز بهذه الطريقة. إذا أصبحوا أبطالاً، فلن يسأل أحدٌ كيف فعلوا ذلك. تشعر حقّاً أنهم سيفعلون كل شيء للفوز". وذهب إلى وصف المباراة بأنها لم تكن مسليةً لأحد: "لو سألتُ كل من في هذه الغرفة: هل استمتعتم فعلاً بهذه المباراة؟ ربما يرفع شخصٌ واحدٌ يده لأنه من أشد المعجبين بأرسنال. لكن بخلاف ذلك، لا أحد بالتأكيد".
تلك التصريحات فتحت جدلاً لم يمرّ مرور الكرام، وردّ أرتيتا وقتها بسخريةٍ لم تُخفِ توتّر العلاقة. لكن الفوز الكاسح الأخير بدّل نغمة الحديث بالكامل. بعد الثلاثية، اختار مدرّب أرسنال أن يطوي الصفحة بكلامٍ يحمل احتراماً واضحاً لخصمه: "أنا هنا لأقول ما أعتقده، ولأدافع عن ناديّ، ولأستخرج أفضل ما في لاعبيّ. ما حدث انتهى. ذلك في الماضي. لديّ احترامٌ كبير لفابيان وما حقّقه. ما يقدّمه برايتون كنادٍ تحت قيادته أمرٌ لافتٌ للغاية". بهذه الكلمات، أُقفل ملفّ الخلاف الذي شغل الأسابيع الماضية، وحلّت محلّه مصالحةٌ متأخّرة فرضتها نتيجة الملعب أكثر من أي شيء آخر.
غروس في الخامسة والثلاثين... وفي قمّة الترتيب
إذا كان الضغط الجماعي هو عنوان المباراة تكتيكياً، فإن باسكال غروس كان عنوانها الفردي. اللاعب البالغ من العمر 35 عاماً، والذي انضمّ إلى برايتون الشتاء الماضي بعد أن تراجع حضوره في بوروسيا دورتموند، افتتح التسجيل في الدقيقة 31، ثم صنع هدف برايتون الرابع لتشيما أندريس في الدقيقة 57. بهذا الإسهام المزدوج، يتصدّر غروس قائمة الهدّافين في الدوري الإنجليزي الممتاز بعد خمس جولات، بواقع ثلاثة أهداف وأربع تمريراتٍ حاسمة.
عن أسباب هذا التألّق المتأخّر في مسيرته، تحدّث غروس بصراحة: "أشعر بحالٍ جيدة جداً، ومرتاح للغاية. هو مزيجٌ جيد من اللياقة والخبرة والعمل مع فابيان هورتسلر، مدرّبٌ يستخدمني بطريقةٍ تسمح لنقاط قوّتي بالظهور". وأضاف موضّحاً الجانب التكتيكي وراء أرقامه: "كان ضغطنا والاستعادات العالية الناتجة عنه سبباً في بعض الأهداف. بشكلٍ عام، نصنع فرصاً كثيرة".
لكن مساهمة غروس، بحسب هورتسلر، تتجاوز الأرقام والأهداف. المدرّب الألماني الشاب وصف لاعبه بعبارةٍ لا تخلو من طرافة: "هو مثل النبيذ الجيد. كلّما تقدّم في السنّ، أصبح أفضل". ولم يتردّد في الإشارة إلى دورٍ أعمق يقوم به غروس داخل الفريق، بعيداً عمّا يظهر على أرض الملعب: "أشياء لا يمكن قياسها حين يكون في الملعب، لكننا نراها كل يوم في التدريبات. لديه القدرة على خلق تماسكٍ اجتماعي بين جميع لاعبينا. لدينا جنسياتٌ وقومياتٌ مختلفة كثيرة، وهو يمتلك حسّاً بكل هذه الديناميكيات".
مشروعٌ اكتمل بالصفقات المناسبة
الانتصار على أرسنال لم يأتِ من فراغ، بل هو محصّلة مسارٍ بدأه هورتسلر منذ توليه مهمّة تدريب برايتون في صيف 2024، حين كان في الثالثة والثلاثين من عمره فقط، ووقّع عقداً لخمس سنوات. في بداياته، كانت خطوط الدفاع تُكشف مراراً أمام الخصوم الأكثر تفوّقاً تقنياً، وكانت هويّة الفريق الكروية بحاجةٍ إلى وقتٍ لتترسّخ. لكن النادي عمل خلال نوافذ الانتقالات الأخيرة على بناء تشكيلةٍ مصمّمةٍ خصيصاً لمتطلّبات مدرّبه التكتيكية.
من بين هذه الصفقات، انضمّ تشيما أندريس، الذي يقترب طوله من مترين، من فولفسبورغ شتوتغارت قبل إغلاق سوق الانتقالات، وسجّل بنفسه في الفوز على أرسنال. أما لوكا فوشكوفيتش، الذي انتقل من توتنهام هوتسبير بصفقةٍ بلغت 55 مليون يورو، فأصبح أساسياً غير قابلٍ للنقاش بعد فترةٍ قصيرة من وصوله. هذه الإضافات، إلى جانب استقرار غروس في الوسط، شكّلت العمود الفقري لمشروع هورتسلر الذي بدأ يعطي ثماره بوضوح هذا الموسم.
أفضل هجوم في الدوري وثقةٌ دفاعية متصاعدة
الأرقام تروي قصّة تحوّلٍ حقيقي. برايتون سجّل 16 هدفاً بعد خمس مباريات فقط، وهو رقمٌ يقترب من إنجاز مانشستر سيتي الذي سجّل 19 هدفاً بعد خمس جولاتٍ في موسم 2022/23. لكن الأهمّ من الهجوم هو الاستقرار الدفاعي الذي طالما كان نقطة ضعف الفريق: خمس نتائج "كلين شيت" في ثماني مباريات رسمية، بينما احتاج الفريق الموسم الماضي إلى ضعف هذا العدد من المباريات ليحقّق خمس شباكٍ نظيفة فقط.
هذا التوازن بين الهجوم والدفاع، الذي بناه هورتسلر بالتدريج على مدى الموسمين، أوصل برايتون إلى المركز الثالث في الترتيب بعد فوزه الثالث في الدوري هذا الموسم، وأصبح الفريق يملك أفضل هجومٍ في المسابقة بأكملها.
الآن يتّجه برايتون إلى محطّةٍ جديدة، حيث يستضيفه سندرلاند يوم 10 أكتوبر 2026 في تمام الساعة الرابعة عصراً، في مباراةٍ ستكشف إن كان هذا التحوّل التكتيكي مجرّد أداءٍ لحظي أمام خصمٍ بعينه، أم أنه بالفعل ملامح هويّةٍ جديدة راسخة قادرة على منافسة الكبار حتى نهاية الموسم.
أخبار ذات صلة

غياب مؤثّر يضرب الأهلي قبل الامتحان الآسيوي أمام الوصل

الذكاء الاصطناعي يتنبأ: من سيفوز في كلاسيكو الأهلي والزمالك؟

الكلاسيكو يفي بوعده.. الهلال يلحق بالاتحاد الهزيمة الأولى في دوري روشن
