خَبَرَيْن logo

سر جمال أصوات الطيور التي تهدئ النفس وتبهج الروح

اكتشف كيف تؤثر أصوات الطيور المعقدة والمميزة مثل الشحرور على شعورنا بالراحة والارتياح في الطبيعة. دراسة تكشف سر تفضيلاتنا الصوتية وتفتح آفاقاً جديدة لفهم علاقتنا بالبيئة عبر خَبَرَيْن.

طائر الحسون الأوروبي الملون يجلس على غصن شوكي في بيئة طبيعية مع ضوء شمس ناعم، مرتبط بدراسة تفضيل الإنسان لأصوات الطيور البرية.
حصل طائر الحسون الأوروبي، الذي تم رصده في حديقة بوا دي فانسين في باريس في يناير 2025، على تقييم للوداعة بلغ 4.26 من أصل 5 من المشاركين في الدراسة الجديدة. مارتن ليليفري/وكالة الصحافة الفرنسية/صور غيتي
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

ماذا لو كان اختيار نوع الأشجار في حديقةٍ عامة، أو تصميم ممرٍّ للمشي، مرهوناً أيضاً بنوع الطيور التي تُغرّد فيه؟ هذا السؤال، الذي قد يبدو غريباً للوهلة الأولى، هو بالضبط ما دفع باحثين في جامعة توبنغن الألمانية إلى دراسة العلاقة بين أصوات الطيور البرّية وشعور الإنسان بالارتياح. النتائج، المنشورة في 1 سبتمبر في مجلة Frontiers، تكشف أنّ تفضيلاتنا لأصوات الطبيعة ليست عشوائية، بل تخضع لأنماطٍ صوتية يمكن قياسها.

كيف اختبر الباحثون أذواقنا الصوتية؟

استعان فريق البحث بـ84 مشاركاً، طُلب منهم الاستماع إلى تسجيلاتٍ لـ123 نوعاً من الطيور البرّية، ثمّ تقييم مدى إمتاع كلّ صوتٍ على مقياسٍ من خمس درجات. بعد جمع التقييمات، قارن الباحثون النتائج بالخصائص الصوتية الفعلية لكلّ تسجيل: التردّد، والسّعة، والنطاق الترددي (Bandwidth).

الخلاصة الأولى كانت أنّ الأصوات الأكثر نعومةً حصلت عموماً على تقييماتٍ أعلى، وكذلك الأصوات ذات النطاق الترددي الأضيق. أمّا النتيجة الأكثر إثارةً للانتباه فجاءت معكوسةً لما توقّعه الفريق: الأصوات الأكثر تعقيداً، لا الأبسط، هي التي نالت استحسان المشاركين أكثر. تقول الدكتورة نادين كالب، المؤلّفة الرئيسية للدراسة والباحثة في علم الأحياء بجامعة توبنغن: «ربما نتوقّع بشكل حدسي أن تكون الأصوات البسيطة والمتكرّرة أسهل، وبالتالي أكثر إمتاعاً، لكن النمط الذي ظهر كان معاكساً: الأصوات الأكثر تعقيداً هي التي حصلت على تقييماتٍ أعلى للإمتاع». وتضيف: «نتائجنا تُظهر أنّ مزيج الخصائص الصوتية المختلفة هو ما يحدّد مدى إعجابنا بصوت طائر، وأنّ تركيباتٍ مختلفة من هذه الخصائص يمكن أن تُنتج أصواتاً بالغة الإمتاع».

الشحرور في القمّة.. والبومة في القاع

من بين 123 نوعاً، تصدّر الشحرور الأوروبي (Turdus merula)، المعروف أيضاً بالشحرور الأوراسي، قائمة الأصوات الأكثر إمتاعاً بمعدّل 4.52 من 5. هذا الطائر، الذي يُشاهَد عادةً في الحدائق والمنتزهات والغابات عبر أوروبا، وصفه متحف التاريخ الطبيعي بأنّ غناءه «غنيّ ومخملي ويشبه صوت الناي». تلاه الحسون الأوروبي بـ4.26، ثمّ أبو الحنّاء الأوروبي بـ4.04، فالزرزور الأزرق (Blue Tit) بـ3.92. كما حظيت أنواع مثل صفّارة الصفصاف والسمّحية الأوروبية بتقييماتٍ مرتفعة جداً رغم اختلاف أصواتها كلّياً عن بعضها.

في المقابل، جاءت البومة الحظراء في آخر القائمة بمعدّل 1.32 فقط، إذ وصف الباحثون نداءها بأنّه «صرخات خشنة ومخيفة». تقول كالب: «الشحرور وصفّارة الصفصاف والسمّحية أصواتها مختلفة تماماً عن بعضها البعض، ومع ذلك حصلت جميعها على تقييماتٍ عالية جداً للإمتاع». وتوضّح: «نتائجنا لا تتعلّق بخاصيةٍ صوتية واحدة منعزلة، بل بأنّ تركيبة التردّد والسّعة والنطاق الترددي معاً هي ما يحدّد مدى إمتاع صوت الطائر».

لافتٌ أيضاً أنّ خبرة المشاركين في مراقبة الطيور لم تؤثّر في اختيارهم للأصوات المفضّلة، وهو ما تعلّق عليه كالب قائلة: «هذا يشير إلى أنّ الاستمتاع بغناء الطيور مرتبط بشيءٍ أكثر جوهريةً من مجرّد معرفة ما تستمع إليه».

لماذا نُصغي دون أن نفهم؟

يرى الدكتور كريستوف راندلر، الباحث الأول في الدراسة وأستاذ علم الأحياء في جامعة توبنغن، أنّ المسألة تتجاوز التصنيف العلمي للأصوات. يقول: «ربما يكون أهم استنتاجٍ هو أنّ الانتباه للطيور يمكن أن يغيّر الطريقة التي نختبر بها العالم الطبيعي. حتى عندما لا نفهم ما يتواصل به الطائر، يمكن لغنائه أن يجذب انتباهنا ويثير مشاعر إيجابية ويجعلنا أكثر وعياً بالتنوّع الحيوي من حولنا». ويضيف أنّ اهتمام فريقه انطلق من سؤالٍ أوسع: «لماذا تبدو بعض اللقاءات مع الطيور إيجابيةً بشكلٍ خاص بالنسبة للناس؟»، في تقاطعٍ بين «بيولوجيا صوت الطائر وسيكولوجيا الإدراك البشري».

طائر الشحرور الأوروبي الأسود يغرد بفمه المفتوح على سياج خشبي، مع خلفية طبيعية ضبابية تعكس أهمية أصوات الطيور في الدراسات البيئية.
Loading image...
احتل الطائر الأسود الشائع، المعروف علميًا باسم Turdus merula، المركز الأول في دراسة جديدة. من تصوير الدكتور راندر

هذا التقاطع قد تمتدّ جذوره بعيداً في تاريخ التطوّر، إذ يُحتمل أنّ أصوات الطيور كانت تاريخياً إشارةً على بيئاتٍ خالية من الخطر. ويشير راندلر إلى بُعدٍ آخر: «هذا يذكّرنا بأنّ أصوات الطيور لها بُعدٌ مهم يتجاوز التواصل بين الطيور نفسها: فهي تشكّل أيضاً جزءاً رئيسياً من المشهد الصوتي الذي يختبره الإنسان». لكنّه يحرص على التنبيه إلى حدود ما توصّلت إليه الدراسة: «الدراسة تحدّد الخصائص الصوتية المرتبطة بالإمتاع، لكنّها لا تخبرنا بعد بالضبط لماذا تُفضّل أدمغتنا هذه الخصائص».

ماذا يقول باحثون من خارج الدراسة؟

لم تشارك الدكتورة أولغا فيهر، أستاذة علم النفس المشاركة في جامعة وارويك، في هذه الدراسة، لكنّها تعلّق عليها بقولها: «تشير النتائج إلى وجود عوامل بيولوجية على الأقل في تفضيل الإنسان لغناء الطيور». وتضيف، وهي الباحثة المتخصّصة في طائر الحسون الحمر الأسترالي (Zebra Finch) ذي الغناء السريع الشبيه بالروبوتات والذي يُعدّ عموماً غير مستحبّ: «لكنّني شخصياً معجبةٌ بها، ولا شكّ أنّ ذلك يعود إلى ارتباطاتٍ نفسية مريحة». وترى فيهر أنّ أهمّ ما في هذا البحث هو ما يكشفه عن تطوّر إدراكنا للجمال: «الأمر الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لي في هذا البحث هو أنّه يخبرنا بشيءٍ عن تطوّر إدراكنا للجمال، وأنّ هذا شيءٌ نشترك فيه مع بعض الطيور المغرّدة التي تُغنّي لإمتاع وإبهار أقرانها من نفس النوع».

من جهته، يشير الدكتور روبرت لاكلان، الباحث في التواصل الحيواني والأستاذ المشارك في علم النفس بكلية Royal Holloway التابعة لجامعة لندن، إلى أنّ الأصوات ذات التردّد الأعلى ليست بالضرورة أكثر جاذبية، لافتاً إلى أنّ الشحرور والعندليب غالباً ما يستخدمان نغماتٍ منخفضة الطبقة نسبياً وشبيهة بصوت الناي. ويقول: «لن أتفاجأ إن وُجدت مناطق في مقياس التردّد نميل إلى إيجادها أكثر جاذبية، على سبيل المثال». ويلفت إلى أنّ الدراسة قاست أعلى وأدنى تردّد فقط، ما قد يُغفل مناطق التردّد المفضّلة فعلياً. كما يعلّق على نتيجة عدم تأثير خبرة مراقبة الطيور: «أعتقد أنّه من المثير للاهتمام أنّ خبرة مراقبة الطيور لم يكن لها أثرٌ على الأصوات التي وُجدت جذّابة في هذه الدراسة»، مضيفاً أنّ هناك أبعاداً أخرى للتجربة الشخصية: «أعرف أنّني أشعر بشكلٍ مختلف عندما أعود إلى المنزل من السفر وأسمع طيوراً مألوفة في حيّي».

ماذا يعني هذا لمصمّمي الحدائق والمساحات الحضرية؟

بالنسبة لمخطّطي المدن والمساحات الخضراء التي تُصمَّم أساساً لأغراض الاسترخاء، تحمل هذه النتائج دلالةً عملية: فبدلاً من التركيز فقط على خفض مستوى الضجيج العام، قد يكون من المفيد التفكير في نوع الأصوات الموجودة في المكان. وتستند هذه الرؤية إلى أبحاثٍ سابقة لفريق راندلر ربطت بين مراقبة الطيور والتعافي النفسي والشعور بالرفاهية.

لكن الحذر مطلوب هنا أيضاً؛ فدراسةٌ سابقة وجدت أنّ إضافة غناء طيورٍ عبر مكبّرات صوت لم تُحقّق فوائد أكبر للرفاهية مقارنةً بغناء الطيور الطبيعي الموجود أصلاً في المكان. بعبارةٍ أخرى، الحلّ ليس بالضرورة في "بثّ" أصوات طيورٍ اصطناعية، بل ربما في التفكير بعناية أكبر في التنوّع الطبيعي القائم فعلاً.

يحذّر الباحثون أيضاً من أثرٍ جانبي محتمل: فقد يؤدّي التركيز على الأنواع "الجذّابة" و"الميلودية" في جهود الحفاظ على البيئة إلى تجاهل أنواعٍ أقلّ إمتاعاً صوتياً لكنّها لا تقلّ أهميةً من الناحية البيئية، مثل البومة الحظراء نفسها.

هل هناك معادلة صوتية واحدة للجمال؟

يؤكّد الباحثون أنّه لا توجد صيغةٌ صوتية واحدة تُفسّر لماذا تبدو بعض أصوات الطيور ممتعة، فالشحرور وصفّارة الصفصاف والسمّحية اختلفت أصواتها تماماً، ومع ذلك تشاركت في تصنيفٍ مرتفع من حيث الإمتاع. هذا التعقيد يتماشى مع أبحاثٍ سابقة، منها دراسة عام 2020 التي وجدت أنماطاً إيقاعية مشتركة بين الموسيقى البشرية وغناء الطيور، ودراسةٌ أُجريت في مارس الماضي أظهرت أنّ البشر وحيوانات أخرى يتشاركون تفضيلاتٍ صوتية معيّنة.

يخطّط فريق توبنغن الآن لتوسيع نطاق البحث لفهم سبب ظهور هذه التفضيلات عبر ثقافاتٍ وبيئاتٍ مختلفة، وهو سؤالٌ يبقى مفتوحاً: هل ما نسمّيه "جمالاً صوتياً" مكتسبٌ ثقافياً، أم أنّه، كما تشير النتائج الأوّلية، أعمق جذوراً في تاريخنا التطوّري المشترك مع الكائنات المُغرّدة من حولنا؟

أخبار ذات صلة

Loading...
جزيرة زافودوفسكي البركانية النائية في المحيط الجنوبي، تظهر تأثيرات الاحترار العالمي على بيئة البطاريق.

هذه الجزيرة كانت موطنًا لأكبر مستعمرة للبطريق على الكواكب، لماذا فقدت هذا اللقب للتو؟

في جزيرة زافودوفسكي النائية، تراجع عدد بطريق الحنجرة السوداء بنسبة 63% منذ 2011 بسبب الاحترار العالمي وتأثيره على الغذاء. اكتشف التفاصيل المذهلة واستكشف تأثير التغير المناخي على الحياة البرية الآن.
علوم
Loading...
نقوش فرعونية في معبد أبيدوس تظهر ملوكاً وخدمًا، تعكس ممارسات دفن الخدم وتضحية الخدم في مصر القديمة.

المصريون القدماء كانوا يضحّون بالخدم عند وفاة الملوك

كشف تحليل جنائي حديث في أبيدوس عن إصابات قاتلة في جماجم خدم الملوك المصريين القدماء، مما يدعم فرضية التضحية البشرية. اكتشف أسرار دفن الملوك واستمر في القراءة لتعرف التفاصيل!
علوم
Loading...
كوكب محتمل من الجيل الثاني يتشكل من رماد نجم ميت قرب قزم أبيض HS 0209+0832 مع غبار وغازات تحيط به في الفضاء.

علماء الفلك يكتشفون احتمال ولادة كوكب من رماد نجوم ميتة

هل يمكن أن يولد كوكب جديد من رماد نجم ميت؟ رصد فريق فلكي أدلة كيميائية وضوئية على قزم أبيض قد يشير لتشكّل كوكب من الجيل الثاني. اكتشف المزيد عن هذا الاكتشاف الثوري الآن!
علوم
Loading...
خط تتبع توضيحي لتلسكوب Swift الفضائي أثناء اقترابه من الغلاف الجوي للأرض ضمن مهمة إنقاذ فاشلة لشركة Katalyst.

مرصد ناسا التاريخي قد يسقط على الأرض بعد فشل محاولة الإنقاذ

مرصد Swift الفضائي يقترب من سقوطه بعد فشل محاولة إنقاذ غير مسبوقة، لكن هل يشكل حطامه خطرًا على الأرض؟ اكتشف التفاصيل والتقنيات المستقبلية التي ستغير مستقبل الفضاء في مقالنا الكامل.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية