مهمة بيبيكولومبو تحديات النجاة في مدار عطارد
مهمة BepiColombo تواجه تحدي الانفصال عن وحدة النقل في مدار عطارد الحارق لتبدأ استكشاف أسرار الكوكب الأقرب للشمس. رحلة معقدة ومناورات دقيقة تكشف عن أسرار التجاويف الغامضة وكثافة عطارد العالية خَبَرَيْن.

قبل أن تُطلق المركبة الفضائية BepiColombo أيّ جهازٍ علمي نحو سطح عطارد، عليها أوّلاً أن تنجو من أحد أصعب مناورات الفضاء التي صمّمها البشر حتّى اليوم: الانفصال عن وحدة النقل في مدار كوكبٍ يشتعل بحرارةٍ تبلغ 430 درجةً مئوية خلال النهار، وعلى بُعد 58 مليون كيلومتر فحسب من الشمس. هذا ما ينتظر فريق وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) ووكالة استكشاف الفضاء اليابانية (JAXA) في الساعات القادمة، بعد رحلةٍ استغرقت سبع سنوات وقطعت أكثر من 10 مليارات كيلومتر.
رحلةٌ طويلة إلى أقرب الكواكب
قد يبدو عطارد قريباً — وهو فعلاً أقرب الكواكب إلى الشمس — لكنّ الوصول إليه والبقاء في مداره هو من أكثر التحدّيات تعقيداً في هندسة الفضاء. يكمن السبب في فيزياء بسيطة: كلّما اقتربتَ من الشمس، كلّما زادت سرعتك بفعل جاذبيّتها، وهو ما يجعل الدخول إلى مدار عطارد — لا مجرّد التحليق بجانبه — عمليةً شديدة الاستنزاف للطاقة.
يشرح Frank Budnik، مدير ديناميكيات الرحلة في ESA، هذه المعضلة بوضوح: "يمكنك الوصول إلى عطارد بسرعةٍ أكبر لو أخذتَ الطريق المباشر، لكنّ المشكلة أنّنا نريد الدخول في مدارٍ حول الكوكب. يجب أن تُطابق المركبة سرعة عطارد، وهذا نقلٌ يتطلّب طاقةً هائلة".
لهذا السبب، لجأت BepiColombo إلى تسعة مرورات بالقرب من الأرض والزهرة وعطارد نفسه، مستعينةً بجاذبيّة هذه الكواكب لتخفيف سرعتها تدريجياً، قبل أن تُطلق في أكتوبر 2018 من منصّة الإطلاق الأوروبية قرب Kourou في غيانا الفرنسية.
الانفصال: لحظةٌ لا تشبه غيرها
في الساعة الثامنة صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم الخميس، ستنفصل وحدة نقل عطارد عن المسباريْن العلميّيْن؛ وتبدأ ESA بثّها المباشر قبل ذلك بربع ساعة، يمكن متابعته هنا، فيما يُجرى فحص السلامة في الساعة 9:53 صباحاً.
يصف Ignacio Tanco، رئيس عمليات مهمّات المجموعة الشمسية الداخلية في ESA، هذه اللحظة بلغةٍ لا تخلو من قلق مدروس: "سيجري انفصال وحدة النقل في ظروفٍ بالغة الصعوبة، وسنواجه خطراً حقيقياً بأن لا تسير الأمور كما خُطِّط لها".
ثمّ يُضيف ما يجعل هذه المهمّة فريدةً في تاريخ استكشاف الفضاء: "سيكون الأمر مكافئاً لإطلاق مركبةٍ فضائية جديدة، غير أنّ هذه المركبة تصادف أنّها حول كوكبٍ مختلف. سنرى لأوّل مرّة أنظمةً تعمل لم نتمكّن من اختبارها بالكامل".
والأهمّ من ذلك، أنّ هذا الانفصال لن يُنتج مركبةً واحدة، بل اثنتيْن مستقلّتيْن تماماً: مسبار عطارد الكوكبي (MPO) التابع لـ ESA، ومسبار عطارد المغناطيسي (MIO) التابع لـ JAXA. يقول Tanco: "ستكون المرّة الأولى التي تُطلق فيها مهمّةٌ مركبتيْن فضائيّتيْن مستقلّتيْن وكاملتيْن حول كوكبٍ مختلف".
خطواتٌ دقيقة في جدول زمني محكم
بعد دخول MPO و MIO مدار عطارد في 21 نوفمبر، تبدأ سلسلة من المناورات الدقيقة. بين 9 و 10 ديسمبر، سينفصل المسباران عن بعضهما. يدخل MPO موضعه المداري في 16 ديسمبر، فيما يحتاج MIO حتّى 10 مارس من العام التالي ليستقرّ في مساره. لن تبدأ العمليات العلمية الفعلية لكلا المسباريْن إلّا في أبريل.
يُلخّص Tanco هذا الواقع بجملةٍ تُعبّر عن طبيعة المهمّة: "خلافاً للمهمّات الأخرى، وصول BepiColombo لا يعني حدثاً واحداً. أمامنا نحو نصف عام من العمليات المكثّفة".
أمّا التحدّي الهندسي الأعمق، فيتعلّق بالبقاء على قيد الحياة في هذه البيئة القاسية. يصف Tanco المركبة بأنّها "صُمِّمت للعمل في ظروفٍ قاسية للغاية، تُعادل تقريباً تشغيل فرنٍ بيتزا ساخن جدّاً على ظهرك مباشرةً". لمواجهة هذا، سيدور MIO بمعدّل 15 دورةً في الدقيقة لتوزيع الحرارة، فيما سيُوجّه MPO لوحاته الشمسية بحيث تواجه الشمسَ بحافّتها لا بسطحها.
ماذا سيكشف عطارد؟
تتوزّع المهام العلمية بين المسباريْن بوضوح. توضّح Santa Martinez، مديرة مهمّة BepiColombo في ESA: "سيُراقب MPO الكوكبَ نفسه، بينما سيُركّز MIO على البيئة الفضائية المحيطة بعطارد".
من أبرز الأهداف العلمية: التجاويف الغامضة على سطح عطارد، وهي انخفاضاتٌ لا نظير لها على أيّ كوكبٍ آخر. يقول Geraint Jones، كبير علماء المشروع في ESA: "ثمّة انخفاضاتٌ في السطح تبدو كأنّ السطح يُؤكَل. قد يكون بمقدورنا رصد تغيّراتٍ في هذه المناطق عبر الزمن".
وتمتدّ الأسئلة إلى جوهر الكوكب نفسه. يتميّز عطارد بكثافةٍ عالية قياساً بحجمه، ويُرجَّح أنّ ذلك نتيجة اصطدامٍ هائل قبل نحو 4.5 مليار سنة أزاح قشرته الخارجية. يُفسّر Jones: "هذا يعني أنّ الكثافة الإجمالية للمادّة التي بقيت كانت أعلى بكثير، وهذا سبب كثافته العالية الآن".
لم يزر عطارد سوى مهمّتيْن سابقتيْن: Mariner 10 عام 1974، وMESSENGER الذي دخل مداره عام 2011 بعد رحلةٍ استغرقت قرابة سبع سنوات — وهو ما يُشبه مدّة رحلة BepiColombo نفسها. المهمّة تحمل اسم عالم الرياضيات والهندسة الإيطالي Giuseppe "Bepi" Colombo، الذي درس دوران عطارد واقترح مسارات التحليق عام 1974.
حين تبدأ العمليات العلمية في أبريل، سيكون البشر لأوّل مرّة يُديرون مرصديْن مستقلّيْن في آنٍ واحد حول أكثر كواكب المجموعة الشمسية الداخلية غموضاً. السؤال الذي يظلّ مفتوحاً: هل ستُقدّم لنا بيانات BepiColombo تفسيراً نهائياً لكثافة عطارد الشاذّة وتجاويفه الغريبة، أم ستكشف عن أسئلةٍ جديدة لم نصغها بعد؟
أخبار ذات صلة

هذه الجزيرة كانت موطنًا لأكبر مستعمرة للبطريق على الكواكب، لماذا فقدت هذا اللقب للتو؟

المصريون القدماء كانوا يضحّون بالخدم عند وفاة الملوك

علماء الفلك يكتشفون احتمال ولادة كوكب من رماد نجوم ميتة
