خَبَرَيْن logo

الخلاف البنغلاديشي الهندي حول نشاط حسينة السياسي

تتواصل التوترات بين بنغلاديش والهند بسبب السماح للشيخة حسينة بالتحرك سياسياً من الأراضي الهندية رغم إداناتها بجرائم ضد الإنسانية، مما يعرقل زيارة رئيس الوزراء طارق رحمن ويضع العلاقات الثنائية على المحك خَبَرَيْن

رئيس وزراء بنغلاديش طارق رحمن ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي في صورة تعبر عن التوترات السياسية بين البلدين حول ملف الشيخة حسينة والنشاط السياسي من الأراضي الهندية.
رئيس وزراء بنغلاديش طارق الرحمن ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي [صورة أسوشيتد برس]
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في مكتبٍ حكومي في دكا، يجلس مسؤولون بنغلاديشيون يزنون كلّ كلمة قبل الإفصاح عنها. الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء طارق رحمن إلى نيودلهي أولى زياراته منذ توليه السلطة مطلع هذا العام كانت تُعَدّ بهدوءٍ بعيداً عن الأضواء، حتى جاء مؤتمرٌ صحفي ليُبدّد تلك الجهود دفعةً واحدة.

في الخامس من أغسطس، خرجت رئيسة الوزراء البنغلاديشية السابقة الشيخة حسينة المدانة في بلادها بجرائم ضدّ الإنسانية عبر الشاشة في مؤتمرٍ صحفي عُقد في قلب العاصمة الهندية، رافقها ابنها وعددٌ من رفاقها في الحزب، وانتقدوا جميعاً الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بها. وكانت حسينة تعيش في المنفى على الأراضي الهندية منذ إزاحتها في أغسطس 2024.

ردّت دكا بسرعة، معلنةً أنّها «مستاءةٌ للغاية» من السماح لحسينة بالتحدّث علناً من الأراضي الهندية، لا سيّما أنّها كانت قد حذّرت نيودلهي صراحةً من السماح بأيّ نشاطٍ سياسي قد يُلقي بظلاله على العلاقات الثنائية.

أعلنت بنغلاديش لاحقاً أنّ «بيئةً ملائمة» باتت شرطاً لإتمام الزيارة، مطالبةً نيودلهي بالتحرّك في ملفّ طلبات التسليم المتعلّقة بحسينة وغيرها من الفارّين. وتقول الهند إنّ هذه الطلبات لا تزال «قيد الدراسة» وفق الإجراءات المعتمدة.

غير أنّ مقابلاتٍ أجريت مع مسؤولين بنغلاديشيين ومحلّلين تكشف أنّ الخلاف الآني أكثر تعقيداً ممّا يبدو عليه في صورة مجرّد جمودٍ حول التسليم. فالسؤال الجوهري ليس متى تُسلّم الهند حسينة، بل ماذا تسمح لها بفعله طالما بقيت على أراضيها.

مشكلة «المنبر»

قال فيصل محمود، المستشار الصحفي السابق في المفوّضية السامية البنغلاديشية في نيودلهي، إنّ ملفّ التسليم ونشاط حسينة السياسي ينبغي أن يُعالَجا بوصفهما مسألتَين منفصلتَين تماماً.

وأضاف محمود في حديثه: «الجمود بين بنغلاديش والهند مصدره الأساسي أنّ نيودلهي منحت الشيخة حسينة منبراً حقيقياً وهي في المنفى على أراضيها وهو ما طلبت دكا من الهند تحديداً عدم السماح به».

وأشار إلى أنّ التسليم «مسألةٌ مختلفة تماماً، وأكثر تعقيداً وأطول أمداً»، وأنّ حكومة رحمن تُدرك ذلك جيّداً.

وتابع: «الجمود الراهن حول الزيارة المقترحة لرئيس الوزراء طارق إلى الهند، وحول أيّ إعادة ضبطٍ أشمل للعلاقة الثنائية الفاترة، لا يتمحور حول تسليم حسينة. إنّه يتمحور حول سماح الهند لها بممارسة نشاطٍ سياسي من أراضيها».

وهذا القلق سابقٌ لحكومة حزب القومية البنغلاديشي برئاسة رحمن. ففي اجتماعٍ جمع الحائز على جائزة نوبل محمد يونس رئيس الحكومة الانتقالية آنذاك برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في 4 أبريل 2025، طالب يونس نيودلهي بمنع حسينة من إطلاق ما وصفه بـ«التصريحات التحريضية» من الأراضي الهندية.

وقال حميون كبير، نائب وزير الخارجية البنغلاديشي، إنّ دكا تريد «علاقةً جيّدة وعملية مع الهند قائمةً على الثقة والاحترام المتبادل».

وأضاف: «لكنّ السماح لإرهابيين كالشيخة حسينة بزعزعة استقرار بلادنا من الأراضي الهندية أمرٌ غير مقبول» مستخدماً الوصف الرسمي الذي تُطلقه الحكومة على رئيسة الوزراء السابقة.

ورأى كبير أنّ العلاقات قادرةٌ على الدخول في «مرحلة جديدة» إذا أراد ذلك قادة البلدَين، لكنّه أكّد أنّ على نيودلهي الاعتراف بالواقع السياسي المتغيّر في بنغلاديش في أعقاب انتفاضة 2024.

وقال: «لا يمكن لأحدٍ ممارسة أيّ نشاطٍ إرهابي من أرضٍ ذات سيادة. من غير المقبول أن يُسمح للإرهابيين الذين قتلوا أبناءنا بالحديث من أراضيهم وتحريض العنف في بنغلاديش».

وأشار كبير أيضاً إلى أنّ دكا تطالب الهند بتسليم بنغلاديشيين آخرين متّهمين بجرائم، من بينهم مشتبهٌ بهم في اغتيال شريف عثمان هادي، الناقد الصريح لحسينة وللهند على حدٍّ سواء، الذي لقي حتفه عام 2025، وقد اعتُقل المتّهمون بتنفيذ الجريمة لاحقاً في الهند بعد عبورهم إليها.

بيد أنّ تصريحات كبير تُشير في الوقت ذاته إلى أنّ دكا لا تريد لملفّ حسينة أن يُعطّل التواصل الرفيع المستوى إلى أجلٍ غير مسمّى. وأكّد أنّ المباحثات بشأن زيارة رحمن لا تزال جارية، واصفاً اللقاء بين رئيسَي وزراء البلدَين بأنّه أمرٌ لا مناص منه في نهاية المطاف. وفي عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أصدر قصر راشتراباتي بهاوان المقرّ الرئاسي الهندي إشعاراً يوحي بأنّه يستعدّ لاستقبال رحمن، قبل أن يسحب ذلك الإشعار بعد ساعاتٍ قليلة.

وقال كبير: «اللقاء ضرورةٌ لا غنى عنها. لكن فقط حين يتوافق مع مصلحتنا الوطنية. قد يكون الأسبوع المقبل، أو بعد أسبوعَين، أو بعد شهرَين».

هل ستُسلّم الهند حسينة؟

هذا التمييز مهمٌّ لأنّ تقييد نشاط حسينة السياسي وتسليمها يمثّلان تحدّيَين مختلفَين تماماً أمام نيودلهي.

صدر بحقّ حسينة حكمٌ بالإعدام غيابياً من المحكمة الجنائية الدولية في بنغلاديش، إثر إدانتها بجرائم ضدّ الإنسانية على خلفية القمع الدموي لانتفاضة 2024. وهي ترفض هذه الإجراءات القضائية بوصفها ذات دوافع سياسية.

تقدّمت بنغلاديش رسمياً بأوّل طلب لتسليم حسينة في 23 ديسمبر 2024، عبر مذكّرة دبلوماسية استندت إلى معاهدة التسليم المبرمة بين البلدَين عام 2013. وعقب صدور حكم الإعدام في نوفمبر 2025، كرّرت دكا طلبها، فردّت الهند بأنّه «قيد الدراسة».

وفي 11 أغسطس، أعلنت وزارة الخارجية الهندية أنّ طلب تسليم حسينة يُدرس وفق «الإجراءات المعتمدة» في الهند، مشيرةً إلى أنّ نيودلهي ستُطلع الجانب البنغلاديشي على أيّ تطوّر حين يحدث. ولم تردّ الخارجية الهندية على طلب التعليق.

وقال بيناك رانجان شاكرافارتي، السفير الهندي السابق في بنغلاديش، إنّ الملفّ يجب أن يسير وفق أحكام المعاهدة والنظام القانوني الهندي، مؤكّداً أنّ «جميع الإجراءات القانونية يجب استيفاؤها للحصول على أمرٍ قضائي بالتسليم». وأشار إلى أنّ المعاهدة تتضمّن أسباباً يجوز بموجبها رفض التسليم.

السياسة الداخلية تُشكّل الدبلوماسية

يرى بعض المحلّلين تناقضاً سياسياً في مطلب التسليم ذاته.

يرى ديفيد بيرغمان، المراقب المخضرم للشأن البنغلاديشي، أنّ دكا تضغط على الهند لإعادة حسينة بينما تُفضّل في الوقت ذاته بقاءها خارج البلاد.

وقال بيرغمان: «بنغلاديش تطالب بالتسليم وهي تعلم أنّ الحكومة الهندية لن تُسلّم حسينة أبداً»، مضيفاً: «يبدو أنّها تُخاطب الرأي العام البنغلاديشي لا أكثر».

وتابع: «في الوقت نفسه، الحكومة لا تريد فعلياً عودة حسينة» في إشارةٍ إلى معضلةٍ أشار إليها محلّلون آخرون أيضاً: فعودة حسينة قد تُفضي إلى مشكلاتٍ سياسية وقانونية لدكا لا تقلّ تعقيداً عمّا تحلّه. إذ ستجد الحكومة نفسها أمام رئيسة وزراء سابقة محكومٍ عليها بالإعدام في حوزتها، ما يُرغمها على مواجهة تبعاتٍ سياسية ودولية بالغة الحساسية جرّاء سجن إحدى أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ البلاد وربّما إعدامها.

بيد أنّ ملفّ حسينة ليس إلّا جزءاً من إعادة معايرةٍ أشمل لعلاقة دكا بنيودلهي.

قال شهاب إنعام خان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جاهانجيرناغار، إنّ الموقف البنغلاديشي الراهن لا ينبغي قراءته بوصفه معاداةً للهند. وأكّد أنّ بنغلاديش لا تزال بحاجةٍ إلى الهند في مجالات التجارة والدفاع والأمن والروابط الشعبية.

ورأى أنّ موقف الحكومة يعكس ضغطَين متوازيَين: تأكيد السلطة القانونية والسيادية لبنغلاديش، والاستجابة للمزاج الشعبي الذي شكّله ما وصفه بانحياز نيودلهي الوثيق لحزب رابطة عوامي بقيادة حسينة على مدى عقدَين.

وأضاف خان أنّ الهند استثمرت بثقلٍ في رابطة عوامي بوصفها شريكها السياسي الرئيسي في بنغلاديش، وأنّها كانت بطيئةً في التكيّف مع الواقع السياسي البنغلاديشي ما بعد 2024. وقال إنّ نيودلهي باتت «تتقبّل الواقع السياسي في بنغلاديش بصورةٍ متزايدة»، لكنّ دكا تحتاج إلى ترجمة هذا التحوّل إلى نتائج ملموسة.

لا أحد يريد القطيعة

لم يُوقف الخلاف السياسي التعاون العملي بين البلدَين.

زار وفدٌ من اتحاد الصناعات الهندية (Confederation of Indian Industry) دكا هذا الشهر، وأجرى مباحثاتٍ مع وزراء ورجال أعمال، في خضمّ الغموض المحيط بالزيارة المقترحة لرحمن. وتبلغ قيمة التجارة البضاعية الثنائية أكثر من 12 مليار دولار سنوياً، إذ تُصدّر الهند إلى بنغلاديش ما قيمته 10.56 مليار دولار، وفق أرقام المفوّضية السامية الهندية في دكا.

وبالنسبة للسفير شاكرافارتي، فإنّ ذلك يعكس حقيقةً بنيوية لا مفرّ منها.

وقال: «الجغرافيا عاملٌ ثابتٌ في الجيوسياسة. إنّها تربط الهند وبنغلاديش برباطٍ لا يمكن لصانعي القرار في كلا البلدَين تجاهله».

غير أنّه انتقد دكا لربطها الزيارة بشروطٍ مسبقة، قائلاً: «لا أرى أنّ المصلحة الوطنية الكبرى والعلاقات الثنائية ينبغي أن تُؤخذ رهينةً لأيّ فردٍ كان».

أمّا سريراذا داتا، أستاذة الدراسات الجنوب آسيوية في جامعة O P Jindal Global بالهند، فأشارت إلى بُعدٍ آخر من أبعاد هذا الترابط: سعي بنغلاديش إلى تنويع علاقاتها الخارجية لم يُقلّص الأهمية الاستراتيجية للهند.

وقالت إنّ توسيع دكا لانخراطها مع الولايات المتحدة والصين، وتعمّق التعاون الدفاعي مع تركيا، وتجديد التواصل مع باكستان، كلّها عواملٌ أضافت إلى مخاوف نيودلهي بشأن توجّهات السياسة الخارجية البنغلاديشية.

وأشارت داتا إلى أنّ الصين باتت تحتلّ مكانةً بالغة الأهمية، إذ يمنح انخراطها الاقتصادي والاستراتيجي المتواصل بكّين دوراً متنامياً في حسابات بنغلاديش التنموية والسياسية الخارجية. ومع ذلك، رأت أنّ الشراكات الخارجية الأشمل لبنغلاديش لا تستطيع أن تُقلّص الأهمية البنيوية للهند.

وقالت داتا: «لا يمكن لأيٍّ من الطرفَين أن يبقى منفصلاً طويلاً»، مشيرةً إلى أنّ الجغرافيا كفيلةٌ بأن تظلّ الهند ذات أهمية استراتيجية لبنغلاديش. فالبلدان تجمعهما حدودٌ برّية يبلغ طولها 4,096 كيلومتراً.

وأضافت داتا أنّ بنغلاديش تحتلّ موقعاً محورياً في استراتيجية الهند للتواصل الشرقي والأمن وسياسة الجوار، وأنّ العلاقة تحتضنها أكثر من 70 آليةً ثنائية.

ويُساعد هذا الترابط البنيوي في تفسير سبب إحجام نيودلهي، رغم الجمود السياسي، عن إغلاق باب التواصل الرفيع المستوى. ففي 18 أغسطس، أكّدت وزارة الخارجية الهندية أنّ الدعوة الموجّهة لرحمن لا تزال سارية، مُعيدةً التأكيد على أنّ نيودلهي تريد علاقةً «إيجابية وبنّاءة وتطلّعية» مع بنغلاديش قائمةً على المصلحة المتبادلة والمعاملة بالمثل.

ويبقى السؤال المعلّق: ما التنازل العلني أو السرّي الذي يكفي لمنح الحكومتَين مساحةً سياسية كافية للتحرّك نحو اللقاء دون أن تبدو أيٌّ منهما وكأنّها تتراجع عن موقفها؟

أخبار ذات صلة

Loading...
المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو يغادر منصة مظللة خلال فعالية انتخابية في تكساس وسط غيابه بسبب إصابته بالإنفلونزا في سباق مجلس الشيوخ.

غياب تالاريكو 12 يوماً عن الحملة يصبح سلاحاً جمهورياً في سباق مجلس الشيوخ بتكساس

سباق مجلس الشيوخ في تكساس يشتعل مع غياب جيمس تالاريكو بسبب الإنفلونزا واستغلال الجمهوريين للفرصة. تعرف على تفاصيل المعركة الانتخابية وأحداثها الحاسمة قبل يوم الاقتراع. تابع المزيد الآن!
سياسة
Loading...
مارك زوكربيرغ ودونالد ترامب في حوار خارج البيت الأبيض، يعكسان تحسّن العلاقات السياسية والتقنية بينهما في سياق سياسة الذكاء الاصطناعي.

مارك زوكربيرغ والذكاء الاصطناعي: كيف استقطب الملياردير ترامب

شهد البيت الأبيض اجتماعاً تاريخياً جمع مارك زوكربيرغ ودونالد ترامب لتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي في أمريكا. اكتشف كيف تحولت العلاقة بينهما وأثر ذلك على سياسات التكنولوجيا. تابع التفاصيل الآن!
سياسة
Loading...
عناصر شرطة الهجرة الأمريكية ICE يرتدون سترات واقية ويقودون اعتقال رجل في مداهمة ضمن حملة ترحيل المهاجرين غير الشرعيين.

اعتقالات الهجرة تتصاعد: وكالة الهجرة الأمريكية تكثّف العمليات رغم المخاوف الجمهورية

تصاعدت اعتقالات المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة، ما يفرض ضغوطاً كبيرة على البنية التحتية ويثير جدلاً سياسياً حاداً. اكتشف التفاصيل وتأثيرات هذه الحملة الآن.
سياسة
Loading...
امرأة مسنة جالسة على كرسي متحرك داخل شقة صغيرة في مدريد، تعبيرها يعكس أزمة السكن وارتفاع الإيجارات في إسبانيا.

الحكومة الإسبانية تستعد للانتخابات وسط احتجاجاتٍ متصاعدة على أزمة الإسكان

قصة ماريكارمِن تكشف أزمة السكن في إسبانيا التي أشعلت احتجاجات واسعة وأدت إلى دعوة سانشيز لانتخابات مبكرة. اكتشف كيف تؤثر أزمة الإيجارات على السياسة والناس، تابع التفاصيل الآن!
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمتكنولوجيااقتصادصحةتسلية