سيري الجديد يغير قواعد الذكاء الاصطناعي في أبل
خَبَرَيْن يكشف كيف تحوّل Siri من أداة ضبط منبه إلى مساعد ذكي يعالج مهام معقدة ويتفاعل مع شاشة iPhone ويدعم الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي. هل سيغير Siri قواعد اللعبة في عالم التطبيقات؟ اكتشف التفاصيل الآن!

منذ أن أطلقت Apple مساعدها الصوتي Siri على هاتف iPhone 4S عام 2011، ظلّ كثيرٌ من المستخدمين يستخدمونه لمهامٍ لا تتجاوز ضبط المنبّه أو تشغيل أغنية. لكنّ السؤال الذي طالما راود مؤسّسي المشروع الأصليين هو: لماذا لم يتحوّل Siri إلى ما صُمِّم له في الأساس — أداةٍ تُنجز الأعمال لا مجرّد محرّك بحث صوتي؟ الجواب قد يبدأ يتشكّل هذا الأسبوع، مع انطلاق Apple في طرح نسخةٍ معاد بناؤها كلياً من Siri ضمن تحديث iOS 17.
من «محرّك الإنجاز» إلى الواقع: رحلة Siri الطويلة
قصّة Siri لا تبدأ من Apple. ففي عام 2007، أسّس كلٌّ من Dag Kittlaus و Adam Cheyer و Tom Gruber هذا المشروع بفكرةٍ واضحة في أذهانهم: بناء ما أسمَوه «محرّك الإنجاز (do engine)». يشرح Cheyer الفكرة بعبارةٍ لا تزال تلخّص الرؤية كاملةً: «كنّا نقول دائماً: إن أردتَ إيجاد صفحةٍ على الويب، اذهب إلى محرّك بحثٍ كـ Google. وإن أردتَ إنجاز شيء، اذهب إلى محرّك الإنجاز: Siri».
اشترت Apple المشروع بأكثر من 200 مليون دولار قبيل إطلاقه على iPhone 4S، لكنّ الرحلة داخل الشركة لم تكن سلسة. بعد وفاة Steve Jobs، غادر Kittlaus Apple قلقاً من أنّ الإدارة لم تستوعب الرؤية الكاملة للمشروع. ويُفسّر ذلك بنبرةٍ هادئة: «أعتقد أنّ هذا نتيجةٌ طبيعية لطريقة عمل Apple عموماً — فهي تركّز تركيزاً شديداً على إطلاقات المنتجات القادمة». ومع ذلك، يؤكّد أنّ الرؤية الأصلية لم تتغيّر قيد أنملة: «تلك الرؤية لم تتبدّل أبداً. لكنّ أحداً لم يحقّقها بعد».
ماذا يستطيع Siri الجديد فعلاً؟
النسخة المُعاد بناؤها من Siri، التي بدأ طرحها يوم الاثنين مع iOS 17، تختلف جوهرياً عمّا اعتاد عليه المستخدمون. المساعد الجديد يستطيع تحليل محتوى شاشة iPhone والتفاعل معه، والتنقّل بين التطبيقات وتشغيلها، والاستفادة من بيانات التقويم والرسائل وسائر التطبيقات لفهم السياق الكامل لطلب المستخدم.
ما الذي يعنيه هذا عملياً؟ تخيّل أنّك تلقّيتَ رسالةً تذكر موعداً — يستطيع Siri الجديد العثور على هذا الموعد واستخراجه دون أن تفتح التطبيق يدوياً. أو أنّك قرأتَ في رسالةٍ اسم فرقةٍ موسيقية — يمكنه جلب معلوماتها فوراً. بل يمتدّ الأمر إلى حفظ وصفةٍ طبخ وجدتَها على Instagram مباشرةً. هذا هو المعنى الحقيقي لـ«محرّك الإنجاز» الذي تحدّث عنه المؤسّسون قبل سبعة عشر عاماً.
يعمل Siri حالياً مع أكثر من 300,000 تطبيق — وهو رقمٌ لافت، وإن كان يبقى أقلّ بكثير من مجموع تطبيقات App Store الذي تجاوز 2 مليون تطبيق منذ أكثر من عقد.
الخصوصية: الورقة التي تلعبها Apple
في سباق الذكاء الاصطناعي الذي تخوضه Apple في مواجهة ChatGPT الذي أُطلق قبل نحو أربع سنوات، وGoogle Gemini، وأدوات الذكاء الاصطناعي التي دمجتها كلٌّ من Google و Samsung في منظومة Android منذ سنوات، تراهن Apple على ورقةٍ مختلفة: الخصوصية.
تعتمد الشركة على ما تسمّيه Private Cloud Compute، وهو نظامٌ لمعالجة مهام الذكاء الاصطناعي بطريقةٍ تحمي بيانات المستخدم وتحدّ ممّا يُرسَل إلى الخوادم. غير أنّ Apple وسّعت هذا النظام ليشمل Google Cloud لبعض ميزات الذكاء الاصطناعي التي تستخدم Gemini — وهو خيارٌ يُثير تساؤلاتٍ مشروعة حول حدود الخصوصية التي تعدها الشركة.
النماذج اللغوية الكبيرة (Large Language Models) هي المحرّك التقني الذي يُمكّن هذا الجيل من المساعدين الذكيين من فهم الأوامر المعقّدة متعدّدة الخطوات، بعيداً عن الأوامر الصوتية المحدودة التي عرفناها سابقاً. وقد أخّرت Apple إطلاق هذه النسخة عام 2023 لتحسين الميزات قبل الإعلان عنها في 2024، وهو تأخيرٌ أتاح لها مراقبة ما يجري في السوق والبناء عليه.
تهديدٌ حقيقي لمنظومة التطبيقات؟
ثمّة سؤالٌ أعمق يطرحه هذا التحوّل: ماذا يعني أن يُنجز المساعد الذكي المهمّة نيابةً عنك مباشرةً، دون أن تفتح تطبيق Uber أو Amazon أو OpenTable أو Airbnb؟ يُشير Kittlaus إلى هذا التوتّر بوضوح: «ثمّة توتراً حين يبتعد الناس عن مواقع العلامات التجارية ويستخدمون الوكلاء الذكيين للقيام بذلك نيابةً عنهم».
Apple و Google ليستا غريبتَين عن هذا المنطق؛ فتاريخهما حافلٌ بدمج وظائف تطبيقات الطرف الثالث مباشرةً في نظام التشغيل. لكنّ مقياس ما يحدث الآن أوسع بكثير، وهو ما يجعل Cheyer يقول بثقة: «العالم كلّه يسعى وراء هذه الرؤية».
الرؤية التي انطلق بها ثلاثة مطوّرين من مكتبٍ صغير عام 2007 باتت اليوم ساحة معركةٍ تتنافس فيها أكبر شركات التكنولوجيا في العالم. السؤال لم يعد «هل يمكن بناء مساعدٍ يُنجز الأعمال فعلاً؟» — بل أصبح: مَن سيُنجزه أوّلاً، وعلى حساب مَن؟
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق
