مقاومة المضادات الحيوية تهدد حياة الملايين حول العالم
قصة أوبيليكس تبرز خطر مقاومة مضادّات الميكروبات التي تهدد حياة الملايين حول العالم وتُفقدنا خيارات علاجية مهمة. تعرف على أسباب الأزمة وتأثيرها وكيف نواجهها في تقرير خَبَرَيْن الشامل.

وُلد أوبيليكس بعد سبع سنواتٍ من الانتظار والأمل. حين رآه والده لأوّل مرّة، قال ما يقوله كلّ أبٍ مفتون بمعجزته الصغيرة: «بدا مثالياً. كان معجزتنا الصغيرة». لكنّ هذه المعجزة لم تُكمل أربعة أشهر من العمر.
الدكتور Felix Liauw، طبيب أطفال يبلغ من العمر 40 عاماً، يعمل في مدينة Bekasi الإندونيسية، يعرف جيّداً كيف تسير الأمور حين يُصاب رضيعٌ بعدوى خطيرة. لكنّه لم يكن يتخيّل أن يجد نفسه يوماً عاجزاً أمام سرير ابنه، يراقب المضادّات الحيوية تفشل واحداً تلو الآخر. وُلد أوبيليكس بوزن 2.4 كيلوغرام، وسرعان ما بدأت الأعراض: قيءٌ متكرّر وإسهالٌ يصل إلى 8 مرّاتٍ يومياً، وتراجع وزنه إلى 2.2 كيلوغرام. يصف الأب ما عاشه: «كان يبكي ويبكي ويبكي طوال اليوم»، ويضيف: «إن لم نُطعمه، كان بخير، لكنّه كان جائعاً طوال الوقت».
في الشهر الأوّل من حياته، جاء التشخيص: متلازمة القولون القصير الخلقي (Congenital Short Bowel Syndrome) مصحوبةً بعدوى معوية. تطوّرت الحال إلى إنتان (Sepsis) دمويّ. جُرِّبت المضادّات الحيوية، فلم تُجدِ. وفي 12 فبراير 2020، رحل أوبيليكس عن عمر ثلاثة أشهر وأسبوعَين. لم تُجرَ أيّ تشريح للجثّة، لكنّ والديه يشتبهان في أنّ مقاومة مضادّات الميكروبات (Antimicrobial Resistance - AMR) كانت عاملاً محوريّاً في وفاته.
ما الذي يجعل AMR أزمةً صحّية عالمية؟
مقاومة مضادّات الميكروبات ليست مفهوماً مستحدثاً، فقد رُصدت مقاومة البكتيريا للمضادّات الحيوية قبل نحو مئة عامٍ، حتى قبل أن ينتشر استخدام البنسلين على نطاقٍ واسع. لكنّ الأزمة تسارعت منذ الثمانينيات مع انتشار السلالات المقاومة لأدويةٍ متعدّدة. تُعرّف منظمة الصحة العالمية (WHO) هذه الظاهرة بأنّها مقاومة البكتيريا والفيروسات والفطريات والطفيليات للأدوية المصمَّمة للقضاء عليها وهي عمليّة طبيعية تتسارع بفعل الإفراط في استخدام المضادّات الحيوية على المستويَين البشري والزراعي.
الأرقام صادمة: ارتبط AMR بـ4.7 مليون وفاة حول العالم في عام 2021 وحده. وإن استمرّ الوضع على هذا المنوال دون تدخّلٍ جادّ، تتوقّع التقديرات أن يبلغ عدد الوفيات السنوية الناجمة عنه 39 مليون حالة بحلول عام 2050، مع خسائر اقتصادية قد تصل إلى 1.7 تريليون دولار سنوياً من الناتج المحلّي الإجمالي العالمي. وقد كشف تقرير منظمة الصحة العالمية أنّ أكثر من 40% من المضادّات الحيوية فقدت فعاليّتها ضدّ الالتهابات الشائعة بحلول عام 2023.
يُلخّص الدكتور Yvan Hutin، رئيس قسم AMR في منظمة الصحة العالمية، الخطورة بقوله: «هذه النتائج مقلقةٌ للغاية. مع تصاعد مقاومة المضادّات الحيوية، نستنفد خياراتنا العلاجية، وندفع أرواحاً بشرية ثمناً لذلك».
والجدير بالذكر أنّ هذه الأزمة لا تُوزَّع بالتساوي على دول العالم. تقع وطأتها الأشدّ على البلدان الأقلّ دخلاً في جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. يوضح الدكتور Xin Deng، أستاذ علوم الطبّ الحيوي في City University of Hong Kong: «ما يُفرّق بين الدول ليس الجراثيم ذاتها، بل الموارد المتاحة لمواجهتها».
حين تتحوّل الرئتان إلى ساحة حرب
على بُعد آلاف الكيلومترات من Bekasi، عاشت Mallory Smith في لوس أنجلوس قصّةً مختلفة في تفاصيلها، متشابهة في مآلها. كانت مريضةً بالتليّف الكيسي (Cystic Fibrosis)، وخاضت قرابة 70 دخولاً إلى المستشفى على مدار حياتها. خضعت لعمليّة زرع رئتَين، غير أنّ بكتيريا B. cepacia المقاومة للمضادّات الحيوية لم تتوقّف. جُرِّبت معها العلاج بالعاثيات (Bacteriophage Therapy)، وهو أسلوبٌ تجريبي يستخدم فيروساتٍ متخصّصة لمهاجمة البكتيريا الفائقة المقاومة، لكنّه لم ينجح في إنقاذها. في نوفمبر 2017، رحلت Mallory عن عمر 25 عاماً.
تقول والدتها Diane Shader Smith: «المضادّات الحيوية لم تستطع القضاء على العدوى». وتصف الأزمة بصورةٍ تختزل الواقع: «الأمر يشبه حريقاً اعتقدت أنّك أطفأته، لكنّ الجمر لا يزال يتّقد، والنيران تعود أشدّ وأسرع وأصعب في السيطرة عليها».
العلاج بالعاثيات (Bacteriophage Therapy) لا يزال في مراحله التجريبية؛ يُستخدم في حالاتٍ محدودة حول العالم، ويحتاج إلى مزيدٍ من الاختبارات السريرية قبل أن يُصبح خياراً علاجياً معتمداً على نطاقٍ واسع. لا يمكن الادّعاء بأنّه الحلّ السحري القادم، لكنّه يُمثّل خيطاً من الأمل في مواجهة أزمةٍ تتضيّق فيها الخيارات.
الزراعة والدواء: معادلةٌ خاطئة
الإفراط في استخدام المضادّات الحيوية لا يقتصر على العيادات والمستشفيات. يُسهم القطاع الزراعي بدورٍ كبير في تأجيج هذه الأزمة، إذ تُستخدم المضادّات الحيوية على نطاقٍ واسع في تربية الحيوانات لتعزيز النموّ لا لعلاج المرض. اتّخذ الاتحاد الأوروبي خطوةً تنظيمية بحظر استخدام المضادّات الحيوية بوصفها عواملَ لتعزيز النموّ في المزارع، ومدّد هذا الحظر ليشمل واردات الثروة الحيوانية في سبتمبر (السنة غير محدّدة في المصدر). في المقابل، أفادت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) بارتفاع مبيعات مضادّات الميكروبات للحيوانات المنتجة للغذاء بنسبة 16% بين عامَي 2023 و2024 وهو مؤشّرٌ يُثير قلقاً بالغاً.
يرى الدكتور Xin Deng أنّ التقاعس يُضاعف الثمن: «الواقع المرّ هو أنّ كلّ عامٍ من الإهمال يجعل أزمة AMR أكثر خطورةً، وأعلى تكلفةً، وأصعب سيطرةً». وتُشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أنّ أكثر من 170 دولة تعمل على وضع خططٍ وطنية لمكافحة AMR، فيما تستهدف استراتيجية المنظمة خفض الوفيات المرتبطة بهذه المقاومة بنسبة 10% بحلول عام 2030. وتشمل التوصيات الدولية تقليص استخدام المضادّات الحيوية في منظومة الغذاء والزراعة، وتحسين الصرف الصحّي، وتطوير الاختبارات التشخيصية، وتعزيز منظومات المراقبة الوبائية.
على الصعيد الإكلينيكي، يُذكّر الدكتور Liauw بدرسٍ مستخلَص من مأساته الشخصية: «لا ينبغي لنا أن نشخّص العدوى اعتماداً على الأعراض وحدها. علينا اعتماد مقاربةٍ أشمل، كما كان ينبغي أن نفعل مع ابني». ويختم: «حالته ليست شائعة، لكنّها تُجسّد الخطر القاتل لمقاومة مضادّات الميكروبات».
أمّا Diane Shader Smith، التي خسرت ابنتها ولم تستسلم للصمت، فتقول: «فقدان Mallory كان حدثاً كارثياً في حياتي، لكنّ العمل على نشر الوعي هو ما دفعني إلى الأمام».
الأزمة لا تنتظر. والسؤال الذي يطرحه علماء الصحة العامة اليوم ليس إن كانت AMR ستُفاقم أعداد الوفيات العالمية، بل متى سيبلغ العالم نقطة اللاعودة ما لم تتحوّل الخطط الورقية إلى إجراءاتٍ فعلية على أرض الواقع. وكما في كلّ قضيّةٍ صحّية عامة، يبقى القرار الشخصي بما فيه الاستخدام الرشيد للمضادّات الحيوية وعدم تناولها دون وصفةٍ طبّية جزءاً لا يُستهان به من هذه المعادلة المعقّدة.
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
