Anthropic تثير جدل أكبر اكتتاب في تاريخ الذكاء الاصطناعي
شركة Anthropic تستعد لاكتتاب عام قد يكون الأكبر في التاريخ بقيمة تصل إلى 100 مليار دولار رغم تحذيرات الرئيس التنفيذي وموظفين سابقين من مخاطر وجودية لنموذج الذكاء الاصطناعي الذي تطوره خَبَرَيْن

يبدو أنّ شركة واحدة توشك أن تُعيد ترتيب قائمة أكبر الاكتتابات العامة في التاريخ، في الوقت ذاته الذي يحذّر فيه رئيسها التنفيذي ومعه موظفون سابقون من أنّ المنتج الذي تبنيه قد يحمل خطراً وجودياً على البشرية. هذا هو المشهد المتناقض الذي تضعنا أمامه Anthropic، الشركة المطوّرة لنموذج Claude، وهي تستعدّ لطرحٍ عامٍّ أوليٍّ قد يحدث في أسرع وقتٍ ممكن هذا نوفمبر، وفق ما ذكرته صحيفة The Wall Street Journal.
الأرقام المتداولة ضخمة بما يكفي لوقف أيّ متابعٍ للسوق: طرحٌ قد يجمع ما يصل إلى 100 مليار دولار، عند تقييمٍ يقارب 2 تريليون دولار. لو تحقّق هذا الرقم، ستدخل Anthropic مباشرةً ضمن قائمة أكبر 10 شركاتٍ من حيث القيمة السوقية في العالم. السؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن ليس فقط «هل سيحدث الاكتتاب؟»، بل «هل تتحمّل السوق هذا الحجم من المخاطرة في لحظةٍ مضطربة أصلاً؟».
طريقٌ طويل ومتعرّج نحو الإدراج
أعلنت Anthropic في يونيو أنّها تقدّمت بطلبٍ سرّي للطرح العام، لكنّ المسار منذ ذلك الحين لم يكن مستقيماً؛ فقد شهد تأخيراتٍ وتعقيداتٍ متتالية. الأسابيع الأخيرة زادت الصورة تعقيداً، إذ أثار موظفون سابقون في الشركة، إلى جانب الرئيس التنفيذي داريو عمودي (Dario Amodei) نفسه، مخاوف تتعلّق بسلامة الذكاء الاصطناعي. بل إنّ عمودي ذهب إلى حدّ الدعوة إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي على مستوى الصناعة بأكملها.
ورغم هذا الموقف النقدي، كان عمودي من بين قادة التقنية الذين وقّعوا الأسبوع الماضي على اتفاقٍ في البيت الأبيض يقضي بأن تقوم الشركات بـ«ضبط نفسها ذاتياً» (self-police) في تطوير الذكاء الاصطناعي. التناقض لافت: الشركة تسعى لاكتتابٍ تاريخي بينما تدير في الوقت نفسه نقاشاً داخلياً وخارجياً حول مدى أمان تقنيتها.
سوقٌ لا يرحم التوقيت
الطرح، إن حدث، سيكون اختباراً حقيقياً لرغبة المستثمرين تجاه شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى في وقتٍ تتصاعد فيه حالة عدم اليقين في سوق الاكتتابات. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة ارتفاعاً في أسعار الفائدة وقفزةً في عوائد السندات، ما رفع تكلفة الاقتراض، بينما لا يزال المتداولون يتكيّفون مع صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب في إيران وقرارات البنوك المركزية برفع الفائدة.
هذا المناخ دفع شركاتٍ أخرى إلى التراجع أو التأجيل. شركة Oura، المعروفة بخواتم تتبّع اللياقة الصحية القابلة للارتداء، كانت قد أعلنت أنّها ستطرح أسهمها هذا الخريف، لكنّها عادت الأسبوع الماضي لتعلن تأجيل الاكتتاب بسبب عدم استقرار السوق. وفي قطاعٍ مختلف تماماً، علّقت شركة الطاقة Holtec Nuclear خطّتها للاكتتاب، مستشهدةً بضعف معنويات المستثمرين في سوق الأسهم. حتى OpenAI، المنافس الأبرز لـ Anthropic، أعلنت تأجيل اكتتابها العام إلى العام المقبل بسبب مخاوف تتعلّق بسلامة الذكاء الاصطناعي.
هيث تيري (Heath Terry)، رئيس أبحاث استثمارات الذكاء الاصطناعي في Citi، يلخّص المشهد بوضوح: «لديك ارتفاعٌ في أسعار الفائدة، ولديك الحرب في إيران، ولديك اقتصادٌ أكثر هشاشةً إذا استبعدنا قطاع الذكاء الاصطناعي». ويضيف أنّ «الاكتتابات العامة تحتاج إلى بيئة سوقٍ مستقرة ومعنوياتٍ إيجابية لدى المستثمرين، وفي ظلّ هذا المشهد الاقتصادي غير المستقر، يصبح الأمر أكثر صعوبة بكثير».
من يخلع SpaceX عن عرشها؟
لو تحقّق سيناريو جمع 100 مليار دولار عند تقييم 2 تريليون دولار، فستتجاوز Anthropic اكتتاب SpaceX الذي كان الأضخم في التاريخ. فشركة Elon Musk جمعت نحو 86 مليار دولار في اكتتابها، وبدأت التداول عند تقييمٍ بلغ 1.77 تريليون دولار، وهو رقمٌ يعكس جزئياً الرهانات على دور SpaceX المستقبلي في منظومة الذكاء الاصطناعي. ولطالما كان اكتتاب SpaceX الأكبر عالمياً بفارقٍ كبير، فيما جاء اكتتاب أرامكو السعودية في المرتبة الثانية البعيدة، بعدما جمعت الشركة نحو 29 مليار دولار في عام 2019.
جاي ريتر (Jay Ritter)، الأستاذ المتقاعد في جامعة فلوريدا، يصف الوضع بقوله: «كانت SpaceX استثناءً إلى هذا الحدّ أكبر اكتتابٍ عامٍّ في التاريخ، بفارقٍ كبير. ومن المرجّح جداً أن تحتلّ المرتبة الثانية خلال شهرٍ تقريباً من الآن».
تحذيرٌ وجودي في صلب نشرة الاكتتاب
في مفارقةٍ تستحقّ التوقّف عندها، حصلت وكالة Reuters الأسبوع الماضي على نسخةٍ من نشرة الاكتتاب غير المنشورة لـ Anthropic، وذكرت أنّ النشرة تحذّر من أنّ نموذج الشركة قد يُشكّل «خطراً كارثياً أو وجودياً على البشرية». هذه ليست عبارةً عابرة من ناشطٍ خارجي، بل إقرارٌ مكتوبٌ في الوثيقة الرسمية التي ستُقرأ من قبل كلّ مستثمرٍ محتمل.
هذا التوقيت يتزامن مع تصاعد المخاوف من مخاطر «السيطرة» المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهي مخاوف نوقشت لسنوات لكنّها اشتدّت في الأسابيع الأخيرة بعد أن حاولت عدّة عملاء ذكاءٍ اصطناعي (AI agents) الخروج عن السيطرة ومحاولة اختراق أنظمةٍ أخرى.
لكن جيل إي. فيش (Jill E. Fisch)، أستاذة قانون الأعمال في كلية الحقوق بجامعة بنسلفانيا، تضع الأمر في سياقه الصحيح: «لا يمكنك حقاً أن تختار توقيت اكتتابٍ عامٍّ يلغي كلّ حالات عدم اليقين المستقبلية المتعلّقة بشركتك ومنتجك». وتضيف أنّه «لا أعتقد أنّ هناك خطّاً سحرياً لأيّ شركة، بمعنى: نعم، لقد تجاوزنا الآن العتبة، وحللنا كلّ قضايا السلامة، ويمكننا المضيّ قدماً بثقةٍ كاملة 100%. لا أعتقد أنّ الأمور تعمل بهذه الطريقة فعلياً». وبحسب خبراء ، فإنّ المخاوف الأمنية المتصاعدة ستظلّ قائمة سواء طرحت Anthropic أسهمها للعامة أم لا.
الأرقام المالية: خسائر ضخمة ورهانٌ على النمو
خلف كلّ هذا الجدل، تبقى الصورة المالية لـ Anthropic معقّدة. فبحسب Reuters، خسرت الشركة 42 مليار دولار خلال عام 2025، وتخطّط لإنفاق أكثر من 500 مليار دولار على الحوسبة والبنية التحتية في السنوات المقبلة وهو رقمٌ يعكس حجم السباق التقني مع OpenAI، إذ تتنافس الشركتان على إنتاج أكثر النماذج تطوّراً، وتضخّان مليارات الدولارات في البحث والتطوير.
ومع ذلك، نقلت صحيفة Financial Times أنّ Anthropic أبلغت مستثمريها بأنّها ستحقّق أرباحاً للربع الثاني على التوالي هذا العام، معتمدةً في ذلك على تأجير نماذج Claude المتقدّمة لشركاتٍ كبرى. أنجيلو زينو (Angelo Zino)، المحلّل التقني في CFRA Research، يرى أنّ الطلب القوي على المنتج يفتح مساراً نحو الربحية رغم ضخامة الإنفاق الرأسمالي، ويقول: «أعتقد أنّه سيكون هناك شهيّة وطلبٌ قويّان جداً على Anthropic».
ارتفاع أسعار الفائدة من شأنه أن يضغط على التقييمات ويُبرّد نشاط الاكتتابات، لكنّ الانتظار لا يضمن انخفاضها مستقبلاً. كما أنّ التأجيل إلى أجلٍ غير مسمّى قد يُفاقم ظروف السوق أو يُحمّل الشركة تحدّياتٍ غير متوقّعة، ويجعل استئناف خطط الاكتتاب أصعب. في المقابل، يوفّر مؤشر Nasdaq Composite، الذي يتداول قرب مستوياتٍ قياسية، بيئةً إيجابيةً نسبياً لأيّ اكتتابٍ تقني في الوقت الراهن. ويرى محلّلون، من بينهم ريتر، أنّ المضيّ في الطرح لا يزال منطقياً بالنسبة لشركةٍ في أمسّ الحاجة إلى السيولة النقدية مثل Anthropic.
يبقى السؤال الحقيقي معلّقاً على قدرة الشركة على تحويل الوعود إلى نتائج: فتقييمٌ بحجم 2 تريليون دولار يفترض أن يقتنع المستثمرون بقدرة Anthropic على تسييل خدمات الذكاء الاصطناعي وتوسيع حصّتها السوقية فعلياً، لا نظرياً فقط. وكما يختصر ريتر الأمر: «إذا نفّذت الشركة نموذج أعمالها، فستكون بخير»، لكنّه يستدرك بواقعيةٍ لا تخلو من حذر: «لكن، كما تعلم، كثيراً ما لا تسير الأمور كما هو مخطّطٌ لها».
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

Google تختبر مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الفضاء قريباً
