انقراض بطاريق زافودوفسكي بسبب الاحترار العالمي
جزيرة نائية في المحيط الجنوبي تفقد أكثر من نصف مليون بطريق بسبب الاحترار العالمي الذي يهدد توازن النظام البيئي هناك. دراسة تكشف أسرع تراجع في أعداد بطريق الحنجرة السوداء وتوضح المخاطر البيئية القادمة خَبَرَيْن

-في واحدة من أكثر بقاع الأرض عزلةً، حيث لا بشر يقطنون ولا طرق تصل، تتكشّف قصةٌ مقلقة عن أثر الاحترار العالمي: جزيرة بركانية نائية في المحيط الجنوبي فقدت أكثر من نصف مليون من طيور البطريق منذ عام 2011، في وتيرة تقول دراسةٌ علميةٌ حديثة إنها الأسرع من نوعها في العالم لهذا النوع من البطريق.
الدراسة، التي نُشرت يوم الأربعاء في مجلّة Current Biology، تتناول جزيرة زافودوفسكي (Zavodovski)، وهي جزيرةٌ بركانية غير مأهولة تقع ضمن أرخبيل جزر ساندويتش الجنوبية، على بُعد نحو 1,200 ميل من أقرب مستوطنةٍ بشرية دائمة، وشمال القارة القطبية الجنوبية مباشرةً. وتستضيف الجزيرة نوعَين من البطريق: بطريق الحنجرة السوداء (Chinstrap)، الذي سُمّي كذلك بسبب الشريط الأسود الرفيع من الريش أسفل ذقنه، وبطريق الماكاروني (Macaroni) المعروف بخصلات الريش الصفراء المميّزة فوق رأسه.
أرقامٌ تكشف حجم الخسارة
اعتمد الباحثون على مقارنة مسوحٍ جوية ببيانات الأقمار الصناعية، فوجدوا أنّ عدد أعشاش بطريق الحنجرة السوداء المأهولة في الجزيرة تراجع بنسبة 63% بين عامَي 2011 و2025 أي ما يعادل ربع إجمالي أعداد البطاريق في الجزيرة، وأكثر من نصف مليون طائر. واللافت أنّ معدّل التراجع السنوي يبلغ نحو 7%، وهو ضعف إلى ثلاثة أضعاف المعدّل المسجَّل في مستعمراتٍ أخرى من القارة القطبية الجنوبية.
يصف نورمان راتكليف (Norman Ratcliffe)، عالم البيئة المتخصّص في البطريق في هيئة المسح البريطانية لأنتاركتيكا (British Antarctic Survey - BAS) والباحث الرئيسي في الدراسة، هذا التغيّر بأنه "أكبر تحوّل في تركيبة المجتمعات الحيّة شُوهد على الإطلاق في موقعٍ واحد بأنتاركتيكا". ويضيف: "نحن أمام انخفاضٍ سنويٍّ في عدد السكان يقارب 7%"، مؤكّداً أنّ "طيور بطريق الحنجرة السوداء تُعطي إشارةً واضحة تماماً عن تأثيرات الاحترار".
والمفارقة أنّ جزيرة زافودوفسكي كانت قد حازت في عام 2011 لقب أكبر مستعمرة بطريق في العالم، وكان يُعتقد أنها استثناءٌ يُقاوم اتجاه التراجع الذي رُصد في مواقع أخرى. فدراسةٌ رصديةٌ سابقة، نُشرت عام 2020 بالمقارنة مع مسوحٍ أُجريت في ثمانينيات القرن الماضي، كانت قد وثّقت تراجعاً بلغ نحو 50% في بعض مستعمرات الجزر الأنتاركتيكية. أمّا اليوم، فقد انقلبت الصورة: زافودوفسكي باتت صاحبة أعلى معدّل تراجعٍ لبطريق الحنجرة السوداء على مستوى العالم.
رحلةٌ محفوفة بالمخاطر لجمع الأدلّة
لم يكن الوصول إلى هذه النتائج سهلاً. فقد انتقل فريق من هيئة المسح البريطانية إلى الجزيرة عام 2023، بعد رحلةٍ بحرية استغرقت أسبوعَين انطلاقاً من جزر فوكلاند، اضطرّ خلالها الباحثون إلى الاحتماء في المضايق البحرية بسبب العواصف. ولمّا بلغوا الجزيرة، لم يتمكّنوا من النزول إلّا في النقاط التي سمحت بها المنحدرات والتيارات البحرية، فخيّموا على الصخور وأمضوا ثلاثة أيام في مسح أعداد البطريق، مستعينين بطائراتٍ مسيّرة (درونز) وتصويرٍ جوي وأجهزة تتبّع للطيور، إضافةً إلى صورٍ جوية وفّرتها طائرة بريطانية متمركزة في جزر فوكلاند.
تُعدّ هذه الزيارات نادرة أصلاً، إذ تحول وعورة الجزيرة وقسوة مناخها دون تكرار الزيارات العلمية إليها، ما يجعل كلّ بيانةٍ تُجمَع منها ثمينة.
لماذا يتراجع بطريق الحنجرة السوداء تحديداً؟
استبعد الباحثون عدّة تفسيراتٍ محتملة. فالانفجار البركاني الذي وقع في الجزيرة عام 2016 لا يمكن أن يكون السبب، لأنّ منحنى التراجع كان قد بدأ قبل سنواتٍ من ذلك الحدث. كذلك لم يجد الفريق أيّ دليلٍ على أنّ التنافس على مساحات التعشيش، أو أنشطة صيد الكريل (Krill) الإقليمية، تقف وراء الانخفاض.
التفسير الأقرب إلى المنطق، بحسب الباحثين، هو التلوّث الناتج عن الوقود الأحفوري وأثره على احترار المحيطات. فالاحترار يُخلّ بتوازن الكريل، الغذاء الرئيسي لبطريق الحنجرة السوداء، الذي يعتمد بدوره على الجليد البحري للتغذية والاحتماء. ومع ارتفاع درجات الحرارة، يتراجع الكريل جنوباً نحو مياهٍ أكثر برودة، فيما يعجز بطريق الحنجرة السوداء عن ملاحقته إلى تلك المياه شديدة الجليدية. يقول راتكليف إنّ هذا النوع "متخصّصٌ إلى حدٍّ كبير، وله نطاقٌ جغرافي عالمي محدود للغاية، وهذا النطاق آخذٌ في التقلّص".
هنا يكمن الفارق الجوهري الذي يستحقّ التوقّف عنده: الدراسة رصديةٌ ميدانية تعتمد على مقارنة مسوحٍ متكرّرة عبر الزمن، وهي تُظهر ارتباطاً قوياً بين الاحترار وتراجع الأعداد، لا علاقةً سببيةً مثبتةً بمعنى التجربة المضبوطة. غير أنّ ما يعزّز هذا التفسير هو المقارنة مع النوع الآخر من البطريق في الجزيرة نفسها: فأعداد بطريق الماكاروني ارتفعت بنسبة 28% بين عامَي 2011 و2016، وظلّت مستقرّةً بعد ذلك. ويُفسَّر هذا الفارق بأنّ بطريق الماكاروني يتحمّل المياه الأكثر دفئاً، ويعتمد على نظامٍ غذائيٍّ أكثر تنوّعاً، وأقلّ ارتباطاً بالكريل المتراجع.
صدى القلق العلمي وما ينتظر البطريق
وصف عالم الطيور والمؤلّف نوا سترايكر (Noah Stryker) النتائج بأنها "أخبارٌ مقلقة حقاً"، مضيفاً: "ما يلفتني في هذه الدراسة هو مدى سرعة التغيّر". أمّا بيتر فريتويل (Peter Fretwell)، الباحث في هيئة المسح البريطانية والمتخصّص في الاستشعار عن بُعد لرصد البطريق، فقال إنّ النتائج تُظهر تأثير "مناخٍ آخذٍ في الاحترار يطال حتى أنأى أجزاء كوكبنا. فجزر ساندويتش الجنوبية بعيدةٌ عن أيّ تجمّعٍ بشري، وموطنٌ لقرابة ثلث بطاريق الحنجرة السوداء في العالم لكنّها هي الأخرى لا تستطيع الإفلات من تأثيرات تغيّر المناخ".
ويُصنَّف بطريق الحنجرة السوداء حالياً ضمن فئة "الأقل قلقاً" في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، غير أنّ الباحثين يحذّرون من أنّ استمرار هذا التراجع قد يدفع النوع نحو إعادة تصنيفه ضمن الأنواع المهدَّدة بالانقراض. وبما أنّ جزر ساندويتش الجنوبية تضمّ وحدها قرابة ثلث أعداد هذا النوع عالمياً، فإنّ ما يحدث في هذا الركن القصيّ من الكوكب قد لا يبقى حدثاً محلياً، بل مؤشّراً مبكّراً على مصير أوسع ينتظر مستعمراتٍ أخرى لم تُدرَس بعد بالدقّة نفسها.
أخبار ذات صلة

المصريون القدماء كانوا يضحّون بالخدم عند وفاة الملوك

علماء الفلك يكتشفون احتمال ولادة كوكب من رماد نجوم ميتة

مرصد ناسا التاريخي قد يسقط على الأرض بعد فشل محاولة الإنقاذ
