الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف الأمريكيين ويشعل الجدل السياسي
خوف 75% من الأمريكيين من الذكاء الاصطناعي يفوق حماسهم له والقلق يشمل تأثيره المالي والاجتماعي. مطالبات متزايدة بتنظيم فدرالي رغم الانقسامات الحزبية والملف يتحول لقضية انتخابية بارزة تابع التفاصيل على خَبَرَيْن.

يبدو المشهد السياسي الأمريكي حيال الذكاء الاصطناعي مشهداً متناقضاً في ظاهره: السيناتور التقدّمي بيرني ساندرز من ولاية فيرمونت، وستيف بانون كبير مستشاري الرئيس السابق، يجدان نفسيهما على الجانب نفسه من النقاش، إذ يطالب كلاهما بفرض قيودٍ على تطوّر هذه التقنية. أمّا الرئيس دونالد ترامب، الذي يُروّج للمكاسب الاقتصادية المحتملة للذكاء الاصطناعي، فقد اختصر موقفه من هذه المخاوف بكلمةٍ واحدة: «HOAX» (خدعة). هذا التباين بين القلق الشعبي المتصاعد وتشكيك الرئيس نفسه هو ما يكشفه استطلاعٌ جديدٌ أجرته شركة SSRS ، ويرسم صورةً لأمريكا أكثر خوفاً من الذكاء الاصطناعي ممّا هي متحمّسة له.
خوفٌ يتجاوز الانقسام الحزبي
الأرقام الإجمالية للاستطلاع لا تترك مجالاً كبيراً للتأويل: 75% من الأمريكيين يقولون إنّ خوفهم من نمو الذكاء الاصطناعي يفوق أملهم فيه، ويعبّر 43% منهم عن هذا الشعور «بقوّة». والأكثر لفتاً أنّ ما يقارب 9 من كل 10 أمريكيين يخشون تجاوز الذكاء الاصطناعي للذكاء البشري أكثر ممّا يترقّبونه بحماس، وهي نسبةٌ تتكرّر تقريباً حين يتعلّق الأمر بتوسّع مراكز البيانات الداعمة لهذه التقنية. كذلك ينظر نحو 8 من كل 10 أمريكيين إلى وتيرة تطوّر الذكاء الاصطناعي السريعة نظرةً سلبية، ويخشى العدد نفسه تقريباً أن يُحدث هذا التطوّر تغييراً جذرياً في حياتهم اليومية. في المقابل، لا تتجاوز نسبة من يُبدون حماساً غالباً تجاه أيٍّ من الاحتمالات التي طُرحت عليهم 20%.
القلق لا يقتصر على البُعد الوجودي أو الاجتماعي، بل يمتدّ إلى الجيب مباشرة: يصف 48% من الأمريكيين الأثر المالي للذكاء الاصطناعي بأنّه سلبي، مقابل 18% فقط يرونه إيجابياً. وتزداد حدّة هذا الشعور بين الفئات الأقل دخلاً، إذ إنّ البالغين الذين تقلّ دخولهم عن 50 ألف دولار سنوياً أكثر ميلاً بستّ نقاط مئوية من نظرائهم الأعلى دخلاً للقول إنّهم تضرّروا مادياً من هذه التقنية.
مطالبات متزايدة بتشديد الرقابة الفيدرالية
إذا كان هناك ما يجمع الأمريكيين على اختلاف انتماءاتهم، فهو شعورٌ عام بأنّ الحكومة الفيدرالية لم تفعل ما يكفي: نحو 7 من كل 10 أمريكيين يرون أنّ التنظيم الفيدرالي للذكاء الاصطناعي غير كافٍ. لكنّ هذا الإجماع النسبي يخفي فجوةً حزبيةً واضحة. فبين الديمقراطيين، ترتفع النسبة إلى 85%، مقابل 67% بين المستقلّين، و63% بين الجمهوريين عموماً. وحتى داخل المعسكر الجمهوري نفسه ينقسم الرأي: 52% فقط من جمهوريي تيار «MAGA» ومن يميلون إليه يقولون إنّ التنظيم غير كافٍ، مقابل 64% بين الجمهوريين غير المنتمين لهذا التيار.
هذا التفاوت يفسّر إلى حدٍّ بعيد لماذا يبدو موقف ترامب المتشكّك متناقضاً مع مزاج قاعدته العريضة، ولماذا يجد شخصيتان متباعدتان أيديولوجياً كساندرز وبانون أرضيةً مشتركة في الدعوة إلى كبح جماح هذه التقنية. فالمخاوف، كما يظهر الاستطلاع، لم تعد حكراً على تيارٍ سياسي بعينه، حتى وإن تفاوتت حدّتها.
الذكاء الاصطناعي يتحوّل إلى قضيةٍ انتخابية
مع اقتراب الانتخابات النصفية المقرّرة في نوفمبر، بدأ الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يفرضان نفسيهما كقضيةٍ انتخابية ملموسة. يقول ما يقارب ثلثي الناخبين المسجّلين إنّ هذين الملفّين يحملان أهميةً كبيرة أو بالغة عند التصويت، فيما يصفهما 36% منهم بأنّهما «بالغا الأهمية» تحديداً. صحيحٌ أنّ الملفّ لا يزال يحتلّ مرتبةً أدنى من قضايا كبرى مثل الاقتصاد، والانتخابات والتصويت نفسه، والتضخّم، والرعاية الصحية، لكنّ حضوره المتزايد ينعكس فعلياً على الأرض: تجاوز الإنفاق على الإعلانات السياسية المتعلّقة بمراكز البيانات هذا العام وحده 31 مليون دولار.
وهنا أيضاً يبرز الانقسام الحزبي بوضوح: 45% من الناخبين الديمقراطيين المسجّلين يعتبرون قضيتَي الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات بالغتَي الأهمية انتخابياً، وهي نسبةٌ تفوق نظيرتها لدى الجمهوريين بعشرين نقطة مئوية كاملة. كما يبدي الديمقراطيون قلقاً أكبر بكثير من الجمهوريين حيال مراكز البيانات تحديداً، بفارق 26 نقطة مئوية، وحيال وتيرة تطوّر الذكاء الاصطناعي عموماً، بفارق 22 نقطة.
من الأكثر قلقاً؟
يكشف الاستطلاع أيضاً عن فروقٍ لافتة بين الجنسين والأعمار والمستويات التعليمية. فالنساء أكثر تعبيراً عن الخوف من الرجال: 83% منهنّ يقلن إنّ خوفهنّ من نمو الذكاء الاصطناعي يفوق أملهنّ أو حماسهنّ، مقابل 67% بين الرجال. والفجوة نفسها تظهر في موقف المطالبة بتشديد التنظيم الفيدرالي، إذ تبلغ النسبة بين النساء 75% مقابل 67% بين الرجال، وفي الأهمية الانتخابية للملفّ أيضاً، حيث تصل النسبة بين الناخبات المسجّلات إلى 70% مقابل 58% بين الناخبين الرجال.
أمّا على صعيد الفئات العمرية، فالفارق أضيق نسبياً: 81% من البالغين دون سنّ 45 عاماً يخشون التطوّر السريع للذكاء الاصطناعي أكثر ممّا يشعرون بالحماس تجاهه، مقابل 83% بين من هم في سنّ 45 عاماً فأكثر. وعلى صعيد التعليم، يبدو غير الحاصلين على شهادةٍ جامعية أكثر قلقاً بشكلٍ ملحوظ من احتمال أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تحوّلاً جذرياً في حياتهم اليومية، إذ تبلغ نسبة القلق الشديد بينهم 50%، مقابل 35% فقط بين خرّيجي الجامعات.
أُجري الاستطلاع، الذي تولّته شركة SSRS عبر الإنترنت والهاتف بين 16 و17 سبتمبر، على عيّنةٍ عشوائية من 1,206 من البالغين الأمريكيين، بهامش خطأٍ لا يتجاوز 3.5 نقطة مئوية لكامل العيّنة. ويمكن الاطّلاع على وثيقة الاستطلاع الكاملة لمزيدٍ من التفاصيل.
يتابع 63% من البالغين الأمريكيين أخبار نمو الذكاء الاصطناعي عن كثبٍ إلى حدٍّ ما، فيما يتابعها 18% منهم فقط عن كثبٍ شديد وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً: هل سيترجم هذا القلق الواسع، رغم محدودية المتابعة الدقيقة له، إلى أصواتٍ فعلية في نوفمبر؟ الإنفاق الإعلاني المتصاعد على قضية مراكز البيانات، والفجوة الحزبية العميقة حول جدوى التنظيم الفيدرالي، يشيران إلى أنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد نقاشاً تقنياً بحتاً في الولايات المتحدة، بل بدأ يتسلّل تدريجياً إلى صميم المعركة الانتخابية نفسها.
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق
