هل يهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل البشرية أم يغيره للأفضل
مهندسو الذكاء الاصطناعي يحذرون من مخاطر تطوير غير منظم قد يهدد البشرية بينما الإدارة الأمريكية تركز على التفوق على الصين. جدل محتدم بين الحذر والتنظيم مقابل الابتكار السريع في سباق التكنولوجيا خَبَرَيْن

"الناس الذين يبنون الذكاء الاصطناعي يؤمنون فعلاً بأنه قد يقتلنا جميعاً قبل نهاية العقد". هذه ليست جملةً مقتطعة من رواية خيال علمي، بل هي ما قاله Jacob Coxon، المهندس السابق في Anthropic و OpenAI، في تحذيرٍ انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي وأشعل نقاشاً واسعاً حول مستقبل تقنية باتت تتسارع بوتيرةٍ تُقلق حتى من صنعوها.
ما الذي يجري فعلاً في دواخل هذه الشركات؟ ولماذا يطالب المسؤولون التنفيذيون أنفسهم بتنظيمٍ حكومي يُبطئ عجلة صناعتهم؟
حين يطلب المخترع إيقاف اختراعه
في مقالةٍ نشرها يوم السبت، طالب Dario Amodei، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، بتباطؤٍ واعٍ في وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي. وكتب: "إذا تُرك دون رقابة، فقد يتجاوز قدرتنا على فهم هذه الأنظمة والسيطرة عليها، لذا يجب المضيّ فيه بحذرٍ شديد، إن كان لا بدّ من المضيّ فيه أصلاً".
هذه ليست المرة الأولى التي تدعو فيها شركاتٌ كـ Anthropic و OpenAI إلى تنظيمٍ حكومي يُقيّد السباق المحموم في هذا القطاع — وهو موقفٌ يبدو متناقضاً للوهلة الأولى، لكنّه يعكس قلقاً حقيقياً يُصرّح به مهندسون ومسؤولون من داخل هذه الشركات.
Jacob Ward، الصحفي التقني، وصف المشهد بصورةٍ لافتة: "مجموعةٌ صغيرة وقوية من الشركات، متشابكة الأذرع، تركض نحو ما تقول إنه جرفٌ لا تستطيع إيقاف نفسها عن السقوط منه". وأضاف: "إنهم يقولون: نحن نبني هذا الشيء، وهو مثيرٌ للاهتمام، لكنه قد لا يكلّفك وظيفتك فحسب، بل حياتك أيضاً. أعتقد أنه من المهم أن نبدأ بالانتباه".
واشنطن بين الخوف من الصين والخوف من الآلة
في مقابل هذه التحذيرات، تقف الإدارة الأمريكية على أرضيةٍ مختلفة تماماً. الرئيس Donald Trump، خلال إحاطةٍ في أيرلندا يوم السبت، رفض مخاوف الذكاء الاصطناعي قائلاً إن المحذّرين "يُثيرون أموراً لن تحدث"، مؤكّداً أن الأولوية هي التفوّق على الصين: "نحن نتقدّم على الصين في الذكاء الاصطناعي. نحن الدولة الأكثر تطوّراً في العالم، وأريد صراحةً الإبقاء على ذلك، لأن من يفوز بالذكاء الاصطناعي يفوز بكل شيء. ويمكننا وضع ضوابط".
على الصعيد العملي، وقّع Trump قراراً تنفيذياً يمنع الولايات الأمريكية — كـ California — من فرض تشريعاتها الخاصة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، بعد أن تعثّر الكونغرس العام الماضي في إقرار حظرٍ مماثل على المستوى الفيدرالي. كما أقدمت الإدارة على حجب صادرات رقائق Nvidia إلى الصين وتأجيل إطلاق بعض المنتجات لأسبابٍ تتعلق بالأمن القومي.
David Sacks، المستثمر التقني ورئيس المجلس الاستشاري للتكنولوجيا في إدارة Trump، ذهب أبعد من ذلك في رفضه للتحذيرات. ففي مقابلةٍ على قناة Fox News يوم الخميس، وصف التحذيرات بأنها جزءٌ من مؤامرة يقودها ما أسماه "مجموعات الكارثيين (doomers)"، مُلمّحاً إلى احتمال تمويلها من الصين: "ليس لديهم في الصين عمليةٌ تأثيرٍ ضخمة لمجموعات الكارثيين هذه". وأضاف: "ما لدينا هنا في الولايات المتحدة هو حملةٌ إعلامية ضخمة ضد الذكاء الاصطناعي تُحوّل الرأي العام ضده". وخلص إلى أن الصين "تودّ لو توقفنا عن تطوير الذكاء الاصطناعي هنا".
وانتقد Sacks الشركات التي تطالب بالتنظيم، قائلاً: "سيلجؤون إلى المختبرات الكبرى قائلين: كيف يجب أن ننظّمه؟ وبالطبع ستملك Anthropic كل الإجابات". ودافع عن موقفه بالقول: "إبقاء الابتكار لامركزياً ومتاحاً هو مفتاح تجنّب مستقبلٍ غير آمن وديستوبي تتمركز فيه قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدّمة في أيدٍ قليلة".
الكونغرس والجيش: بين الحذر والتطمين
على الجانب التشريعي، تقدّم السيناتور Bernie Sanders بمشروع قانونٍ يدعو إلى حظر الذكاء الاصطناعي الخارق (Artificial Superintelligence) وتعليق تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدّم مؤقتاً. وقال Sanders: "كل يومٍ تقريباً، تظهر قصةٌ مخيفة جديدة عن كيفية فقدان شركات التكنولوجيا الكبرى السيطرة على التكنولوجيا التي تطوّرها، مع نتائج يحتمل أن تكون كارثية". وأضاف: "من غير المسؤول للمجتمع أن يسمح لها بالمضيّ قُدُماً وجعل هذه المنتجات أكثر تقدّماً".
أما وزير الدفاع Pete Hegseth، فقد سعى إلى تهدئة المخاوف المتعلقة بالاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، مؤكّداً أن "الذكاء الاصطناعي لا يتّخذ قراراتٍ قاتلة"، رغم أن البنتاغون يوظّف هذه التقنية في عملياته.
الخوف الحقيقي: البيئة أم الوجود؟
ثمة فجوةٌ لافتة بين ما يُقلق الخبراء وما يُقلق عامة الأمريكيين. فبينما يتحدث المتخصصون عن مخاطر وجودية — من اختراق منظومات الأسلحة إلى إطلاق فيروساتٍ رقمية وتدمير الاقتصاد — يتمحور قلق المواطنين العاديين حول التأثيرات المحلية الملموسة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، من استهلاكٍ للمياه والطاقة إلى الضوضاء والتأثير على البنية التحتية المحلية. وهذه المعارضة لمراكز البيانات تتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية.
على الصعيد الدولي، يُشبّه بعض المحللين هذه المرحلة بسباق التسلّح النووي إبان الحرب الباردة في الستينيات وما تلاها، حين استغرق بناء منظومة معاهدات الحدّ من الأسلحة سنواتٍ طويلة. أوروبا تسعى اليوم إلى معاهدةٍ دولية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، لكن من المستبعد أن تنضمّ إليها الولايات المتحدة أو الصين.
السؤال الذي يبقى معلّقاً: إذا كان من يبنون هذه الأنظمة يُحذّرون من خطورتها، ومن يُفترض أنهم يحكمون يرفضون التنظيم بذريعة المنافسة، ومن يُمثّلون الشعب منقسمون بين مخاوف وجودية ومخاوف بيئية — فمن الذي سيضع الضوابط قبل أن يصبح الأوان متأخّراً؟
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق
