الذكاء الاصطناعي بين البحث العلمي وخطر الأسلحة البيولوجية
كيف تتحول أدوات الذكاء الاصطناعي من دعم البحث العلمي إلى تهديدات خطيرة؟ تقرير يكشف محاولات استغلال نماذج الذكاء لتطوير أسلحة بيولوجية ويطرح تساؤلات حول الضبط القانوني وحماية البشرية خَبَرَيْن

حين تُصبح أداة البحث العلمي سلاحاً محتملاً للدمار، يصبح السؤال ملحّاً: كيف تُفرّق بين باحثٍ يطوّر لقاحاً وآخر يُطوّر وباءً؟ هذا بالضبط ما واجهته شركة Anthropic خلال الأسابيع الماضية، حين رصدت وأوقفت حساباتٍ متعدّدة كانت تستخدم نماذجها الذكية لأغراضٍ تتعلّق بتطوير أسلحةٍ بيولوجية.
نشرت Anthropic يوم الخميس من سبتمبر 2026 تقرير استخبارات التهديدات الذي يُفصّل خمس دراسات حالةٍ حقيقية، تكشف كيف حاول مستخدمون التحايل على ضوابط الشركة وإخفاء أغراضهم البحثية الفعلية. والأكثر إثارةً للقلق أنّ المنخرطين في هذه المحاولات لم يكونوا هواةً؛ بل علماء عاملون في مجالاتهم.
ماذا كانوا يبحثون فعلاً؟
تتنوّع الحالات الموثّقة بصورةٍ تدعو إلى التأمّل. إحداها تخصّ باحثاً طلب مساعدةً في إعداد طلب منحةٍ بحثية لدراسة قابلية انتقال فيروس chikungunya وقدرته على التملّص من جهاز المناعة — وهو ما يُعرف بأبحاث كسب الوظيفة (Gain-of-Function Research)، أي تعزيز قدرات الممرض بطريقةٍ مصطنعة. وحالةٌ أخرى تتعلّق بباحثٍ خارج الولايات المتحدة كان يستخدم نموذج Claude لدراسة كيفية تكيّف فيروس إنفلونزا الطيور مع الثدييات. وامتدّت الأبحاث المثيرة للقلق لتشمل مجموعة الجدري (Orthopoxviruses) التي تضمّ الجدري الحقيقي وجدري القرود، فضلاً عن سمومٍ حيوانية ومواد سامّة.
خلال 30 يوماً فحسب، رصدت Anthropic نحو 35 مسعىً بحثياً منفصلاً ينطوي على نشاطٍ مثير للقلق. الأرقام ليست ضخمةً بالمعنى المطلق، لكنّها تُمثّل نمطاً منهجياً لا حوادث فردية معزولة.
حين تختفي الفجوة بين الدول والأفراد
ما يجعل هذا التقرير مختلفاً عن تحذيراتٍ سابقة هو الإقرار الصريح بتحوّلٍ جوهري في طبيعة التهديد. تقول Anthropic في تقريرها: «لم تعد الهجمات المتطوّرة تستلزم مهاجمين متطوّرين. فقدرات الذكاء الاصطناعي في مجال الأمن السيبراني أدّت إلى انهيار الفجوة في العمالة والأدوات التي كانت تُميّز العمليات الحكومية الممولة جيداً عن المشغّلين الأفراد».
بمعنىً أوضح: ما كان يحتاج سابقاً إلى مختبراتٍ حكومية وفرقٍ متخصّصة وتمويلٍ ضخم، بات يمكن لفردٍ واحد بمعرفةٍ علمية متوسّطة أن يقترب منه بمساعدة نموذجٍ لغوي كبير. وتُضيف الشركة في السياق ذاته: «مع ازدياد قدرات نماذجنا واقترابها من أداء الخبراء في المهام العلمية الصعبة أو تجاوزه، نتوقّع أن يتنامى تأثيرها في السياقَين المفيد والضار على حدٍّ سواء».
الإجراءات الحالية وحدودها
أعلنت Anthropic أنّ نماذجها الأحدث، ومنها Claude Fable 5، تتضمّن ضماناتٍ أكثر صرامةً في مواجهة الاستفسارات ذات الاستخدام المزدوج في مجال الأحياء. وتؤكّد الشركة أنّ هذه الضمانات تُؤتي ثمارها، غير أنّها تُقرّ بأنّ الأنظمة الأكثر متانةً باتت ضرورةً لا خياراً مع تطوّر الذكاء الاصطناعي وتطوّر التهديدات معه. وإلى جانب الاستخدامات البيولوجية، كشف التقرير عن إيقاف محاولاتٍ لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة والاحتيال وتطوير أسلحةٍ تقليدية.
لكنّ الصورة الأشمل تكشف عن توتّرٍ حقيقي داخل الصناعة نفسها. في يوليو 2026، وقّع ما يقارب 1,400 موظّف في شركات الذكاء الاصطناعي رسالةً مفتوحة تطالب الحكومة الأمريكية بتنظيم القطاع وإبطاء وتيرة التطوير. وفي اليوم السابق لنشر التقرير، تحدّث Jacob Coxon، الموظّف السابق في Anthropic، محذّراً: «إذا استشرفنا المستقبل، فإنّ مستوى قدرات هذه الأنظمة... يمكنها إحداث فوضى بالغة». وذهب أبعد من ذلك حين قال: «الناس الذين يبنون الذكاء الاصطناعي يؤمنون بصدقٍ بأنّه قد يقتلنا جميعاً قبل نهاية العقد».
من جهته، حذّر Jakub Pachocki، كبير علماء OpenAI، من أنّ قدرات الذكاء الاصطناعي تتجاوز قدرات المراقبة والسيطرة عليها.
من يضع القواعد؟
في ظلّ تردّد الكونغرس الأمريكي عن فرض تشريعاتٍ واضحة، تبقى الشركات تُنظّم نفسها بنفسها إلى حدٍّ بعيد. وتدعو Anthropic إلى نهجٍ مختلف، إذ تقول: «نعتقد أنّ العالم سيستفيد من تبنّي الصناعة طريقةً قانونية وقابلة للتحقّق للتعاون في ضبط وتيرة إصدار النماذج القوية».
السؤال المعلّق هو: هل يكفي الضبط الذاتي حين تُصبح الأداة نفسها قادرةً على ردم الهوّة بين الباحث الأكاديمي والفاعل الخبيث؟ الإجابة لا تبدو واضحةً بعد، لا في واشنطن ولا في مختبرات الشركات الكبرى.
أخبار ذات صلة

الذكاء الاصطناعي واكتشاف أداة تحرير جينات جديدة: لماذا تثير Anthropic الجدل؟

كانت وظائفهم من بين أول الوظائف التي تم تغييرها بواسطة الذكاء الاصطناعي والآن يحاول البعض تجنبها

الذكاء الاصطناعي يدفع Anthropic نحو الاكتتاب العام رغم تحفّظات السوق
