الهواء السام لحادث الحادي عشر من سبتمبر يقتل بصمت
بعد أكثر من عشرين عاماً على كارثة الحادي عشر من سبتمبر يبقى الهواء السامّ سبباً في آلاف الوفيات بسبب السرطان وأمراض أخرى. خَبَرَيْن تكشف قصص الضحايا والاعتراف الرسمي بضحايا التسمم المستمرين حتى اليوم.

أكثر من عشرين عاماً على الكارثة، والجرح لم يندمل بعد. فبينما يظنّ كثيرون أنّ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 باتت صفحةً طُويت في التاريخ، تُخبرنا الأرقام قصّةً مغايرة تماماً: ما يزيد على 57,000 شخص شُخِّصوا بالسرطان جرّاء التعرّض لسموم موقع الكارثة، وقرابة 7,000 مسجَّل في برنامج صحّة مركز التجارة العالمي لقوا حتفهم بحلول مارس 2024. هذه ليست إحصاءات باردة بل هي أرواح رجال ونساء أسرعوا إلى الركام يوم الكارثة، ثمّ دفعوا ثمن ذلك الإسراع بصحّتهم وحياتهم على مدى عقود.
لحظة صمت سابعة: اعترافٌ متأخّر بضحايا الهواء السامّ
في 23 أبريل 2024، أعلنت مدينة New York عن خطوتَين لافتتَين: الأولى، الإفراج عن أكثر من 170,000 صفحة من الوثائق المتعلّقة بجودة الهواء في موقع Ground Zero، وهي وثائق تكشف وفق ما أُفيد أنّ المسؤولين أضلّوا الرأي العام بشأن خطورة الهواء الذي كان يستنشقه المنقذون والسكّان. والثانية، إضافة لحظة صمت سابعة إلى مراسم الذكرى السنوية للحادي عشر من سبتمبر، تُخصَّص تحديداً لتكريم من فارقوا الحياة جرّاء أمراض مرتبطة بالكارثة بعد أن كانت المراسم تقتصر على ستّ لحظات صمت.
هذه اللحظة السابعة ليست مجرّد إجراء بروتوكولي. إنّها اعترافٌ رسمي بأنّ قائمة ضحايا الحادي عشر من سبتمبر لا تقتصر على من ماتوا في اليوم ذاته، بل تمتدّ لتشمل كلّ من فارقوا الحياة بسبب الأمراض التي زرعتها تلك السحابة السامّة في أجسادهم على مرّ السنين.
قال Zohran Mamdani، عمدة مدينة New York، بصراحة لافتة: "أصيب الناس لأنّ القادة الذين وثقوا بهم كذبوا عليهم وأخبروهم بأنّ الهواء السامّ الذي يستنشقونه آمن."
من Ground Zero إلى غرف المستشفيات: قصص لا تُنسى
لفهم ما تعنيه هذه الأرقام فعلاً، لا بدّ من الاستماع إلى أصحابها.
Billy Gormley كان رجل إطفاء في New York City، عمل في موقع Ground Zero في أعقاب الكارثة. توفّي عام 2017 إثر إصابته بسرطان المثانة المرتبط بتعرّضه لسموم الموقع. ابنته Bridget Gormley، التي أصبحت مخرجة أفلام، تحمل ذاكرةً موجعة عن كلمات أحد عمّال الموقع حين قال بصوت مثقَل: "هذا سيقتلنا جميعاً يوماً ما."
Michael O'Connell، رجل إطفاء آخر، شُخِّص بمرض الساركويد (Sarcoidosis) عام 2007. يتذكّر تلك الأيام بمرارة: "كنت صغيراً... لا أعتقد أنّ أحداً فكّر فعلاً في أنّ ما نستنشقه سيكون سيّئاً في المستقبل." كلماته تختصر حالة جيل كامل من المنقذين الذين أقدموا بإخلاص دون أن يُعطَوا المعلومات الصحيحة عن المخاطر التي يواجهونها.
James Betso كان ضابطاً في شرطة New York City. شُخِّص عام 2010 بسرطان الغدد الليمفاوية اللاهودجكيني (Non-Hodgkin Lymphoma) ومتلازمة خلل التنسّج النقوي (Myelodysplastic Syndrome)، ثمّ عانى عام 2013 من نوبة صرع كبرى قبل أن يُكتشف إصابته بسرطان الدماغ الخبيث (Glioblastoma). رحل عام 2015. ابنته Leah Betso تقول بصوتٍ هادئ يحمل ثقل الفقد: "يعني أن تُعترَف بقصّة والدي، إلى جانب كلّ القصص الأخرى، باعتبارها جزءاً من قصّة الحادي عشر من سبتمبر بأكملها."
Marcy Borders، التي عُرفت بـ"سيّدة الغبار" (Dust Lady) بعد أن التقطت لها صورة أيقونية وهي مغطّاة بغبار الانهيار، توفّيت عام 2015 عن 42 عاماً فقط بسبب سرطان المعدة الذي صادق برنامج صحّة مركز التجارة العالمي على ارتباطه بتعرّضها يوم الكارثة. تقول ابنتها Noelle Borders: "تشعر وكأنّك تجاوزت هذه المأساة الواحدة، ثمّ تكتشف أنّها لا تزال تؤثّر في حياتك، حتّى بعد أن ظننت أنّك تغلّبت عليها."
الساركويد والسرطان وما بينهما: الصورة الطبّية الكاملة
ما الذي كان في ذلك الهواء تحديداً؟ كارثة الحادي عشر من سبتمبر أطلقت سحابةً هائلة من المواد المسرطنة والكيماويات السامّة في هواء Lower Manhattan. الغبار الذي اكتسى به كلّ شيء لم يكن مجرّد أتربة عادية، بل كان خليطاً من الأسبستوس (Asbestos) والرصاص والزئبق والمواد الكيميائية المتطايرة من حرائق المبنيَين الضخمَين، فضلاً عن بقايا الوقود والمواد الإنشائية.
يقول Michael Crane، المدير الطبّي لمركز برنامج صحّة مركز التجارة العالمي في Mount Sinai، بوضوح علمي: "التعرّض البيئي ثابتٌ أنّه يؤثّر على الجميع: البالغين والأطفال والرضّع. ولا سيّما تعرّضٌ كهذا." وهو يُشدّد على ضرورة أن يستفيد المؤهّلون من البرنامج: "هذا البرنامج موجودٌ لكم أيّها السكّان الذين كانوا هناك ولأطفالكم، فاستفيدوا منه. لن يضرّكم أن تذهبوا وتُجروا تقييماً."
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الارتباط الإحصائي بين التعرّض للسموم وتطوّر هذه الأمراض قائمٌ وموثَّق في بيانات برنامج صحّة مركز التجارة العالمي، وهو برنامج فيدرالي للمراقبة الطبّية والعلاج المجّاني. غير أنّ التحقّق من العلاقة السببية في كلّ حالة فردية يستلزم تقييماً طبّياً دقيقاً من المختصّين.
برنامج صحّي بلا سابقة: أرقامٌ تروي الحجم الحقيقي للكارثة
برنامج صحّة مركز التجارة العالمي (WTC Health Program) أُسِّس عام 2011 بموجب قانون James Zadroga للصحّة والتعويض المتعلّق بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو قانونٌ يحمل اسم ضابط شرطة New York City توفّي جرّاء مرض تنفّسي مرتبط بعمله في موقع الكارثة.
الأرقام التي يرصدها البرنامج تُجسّد حجم الكارثة الصحّية الصامتة:
- أكثر من 154,000 شخص مسجَّلون في البرنامج حتّى يونيو 2023، منهم أكثر من 95,000 من المنقذين الأوائل (رجال الإطفاء وضبّاط الشرطة وعمّال الطوارئ)، وأقلّ من 60,000 من الناجين المدنيين رغم أنّ نحو 400,000 شخص يستوفون شروط الالتحاق.
- أكثر من 57,000 حالة سرطان مشخَّصة بين المسجَّلين حتّى يونيو 2023.
- أكثر من 7,000 منقذ حصلوا على شهادة تثبت إصابتهم بحالات صحّية مرتبطة بالكارثة خلال 12 شهراً تنتهي في 30 يونيو 2023.
- قرابة 7,000 وفاة بين المسجَّلين في البرنامج حتّى مارس 2024.
هذه الأرقام تُشير إلى أنّ عدداً كبيراً من المؤهّلين لم يلتحقوا بعد بالبرنامج الذي يوفّر لهم المراقبة الطبّية والعلاج مجّاناً. الفجوة بين 400,000 مؤهَّل وأقلّ من 60,000 مسجَّل من المدنيين وحدها تستدعي التوقّف.
Thomas Wilson، رقيب متقاعد من شرطة New York City، حصل على شهادة تثبت إصابته بسرطاناتٍ متعدّدة واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والربو وحالات أخرى من خلال البرنامج. يقول بنبرة تجمع بين الحزن والتضامن: "قلبي مع العائلات التي فقدت أحبّاءها في ذلك اليوم، ومع الناس الذين رحلوا بسبب أمراض الحادي عشر من سبتمبر منذ ذلك الحين."
إيفون سانشيز وأثقال الذاكرة
من أشدّ القصص إيلاماً قصّة Ivonne Sanchez، عاملة الطوارئ التي عملت في أعمال الإنقاذ في Ground Zero وأُصيبت مرّتَين خلال عملها، ثمّ شُخِّصت بسرطان الثدي عام 2014 الذي صادق عليه البرنامج. لكنّ جراحها لا تقتصر على الجسد. تصف مشاعرها في كلّ مراسم ذكرى سنوية بكلماتٍ تشقّ القلب: "في كلّ مرّة أنزل فيها في مراسم الحادي عشر من سبتمبر... أشعر بثقلٍ كهذا. كأنّ أشباحهم تقول: 'لم تجدونا.' وفي ذهني أردّد: 'آسفة. لقد حاولنا.'"
هذه الكلمات تحمل ما لا تستطيع الإحصاءات حمله: الثقل النفسي الذي يعيش فيه الناجون والمنقذون الذين خرجوا من الركام بأجسادٍ مثخَنة بالجراح وذاكرةٍ لا تهدأ.
الغبار الذي لم يختفِ: بيئة مدينة في خطر
ما يزيد المشهد تعقيداً أنّ الغبار السامّ لم يبقَ في موقع Ground Zero وحده. استمرّ التلوّث في بيئة المدينة لسنوات. وبحسب ما أُفيد، فإنّ عاصفة Superstorm Sandy عام 2012 كانت هي التي ساعدت على تنظيف ما تبقّى من غبار في أنفاق مترو New York City. كما استُخدم مكبّ Fresh Kills في Staten Island موقعاً لتخزين ومعالجة حطام Ground Zero خلال عمليات الإنقاذ والتعافي.
هذا الامتداد الجغرافي والزماني للتلوّث يعني أنّ دائرة المتضرّرين أوسع بكثير ممّا يُتصوَّر، وهو ما يفسّر جزئياً الفجوة الكبيرة بين عدد المؤهّلين للبرنامج وعدد المسجَّلين فعلاً.
مسيرة التشريع: من الإهمال إلى الاعتراف
لم يأتِ برنامج الرعاية الصحّية هذا من فراغ، ولم يكن هبةً تطوّعية. جاء ثمرةً لسنوات من النضال الشاق. صندوق تعويض ضحايا الحادي عشر من سبتمبر كان نشطاً في البداية بين عامَي 2001 و2003، ثمّ أُغلق. لم يُعَد فتحه إلّا عام 2011 بعد حملة مناصرة مكثَّفة، حين صدر قانون James Zadroga للصحّة والتعويض الذي أسَّس برنامج صحّة مركز التجارة العالمي.
لكنّ المعركة لم تنتهِ. في عام 2019، وبعد جهود مناصرة مكثَّفة في الكونغرس شارك فيها الكوميدي Jon Stewart الذي تحوّل إلى أحد أبرز المدافعين عن حقوق المنقذين جرى تمديد تمويل البرنامج ليمتدّ حتّى عام 2090. هذا التمديد يعني أنّ البرنامج سيواصل رعاية من يُشخَّصون في المستقبل بأمراض مرتبطة بالكارثة، إذ قد تظهر بعض الأمراض المرتبطة بالتعرّض للمواد المسرطنة بعد عقود من التعرّض الأوّلي.
ما الذي تقوله الوثائق المُفرَج عنها؟
الإفراج عن 170,000 صفحة من وثائق جودة الهواء في موقع Ground Zero في أبريل 2024 يفتح باباً لمساءلة تاريخية طال انتظارها. هذه الوثائق تُشير وفق ما تكشفه التقارير إلى أنّ المسؤولين أضلّوا الرأي العام بشأن سلامة الهواء في الأيام والأسابيع التي أعقبت الكارثة.
الصورة التي ترسمها هذه الوثائق مؤلمة: كان الناس يُطمأَنون إلى أنّ الهواء آمن، بينما كانوا يستنشقون مزيجاً من المواد السامّة. المنقذون الذين أسرعوا إلى الموقع بدافع الواجب والإنسانية لم يُعطَوا المعلومات الكافية لاتّخاذ قرارات مستنيرة بشأن حماية أنفسهم.
هذا النمط التقليل من المخاطر البيئية في أعقاب الكوارث لاعتبارات اقتصادية أو سياسية ليس حكراً على حادثة بعينها، وهو ما يجعل هذه القضية ذات أبعاد تتجاوز New York لتطرح تساؤلات جوهرية حول المسؤولية الحكومية في الكوارث الكبرى.
السؤال المفتوح: من لم يصل بعد؟
مع كلّ هذا الزخم الوثائق المُفرَج عنها، واللحظة السابعة من الصمت، والأرقام المتصاعدة يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا عن الـ 400,000 ناجٍ مدني المؤهَّلين للبرنامج الذين لم يلتحقوا به بعد؟
برنامج صحّة مركز التجارة العالمي يوفّر مراقبةً طبّية ومعالجةً مجّانية لمن يستوفون شروط الالتحاق ليس فقط لمن كانوا في Manhattan، بل أيضاً لمن كانوا في موقع Pentagon وموقع تحطّم الطائرة في Shanksville. Michael Crane يُلحّ على الرسالة: "لن يضرّكم أن تذهبوا وتُجروا تقييماً."
الأمراض المرتبطة بالتعرّض للمواد المسرطنة قد تستغرق سنوات أو عقوداً قبل أن تُكتشَف. الكشف المبكّر يبقى، وفق المعطيات الطبّية المتاحة، أحد أهمّ العوامل في تحسين مآلات العلاج. وهذا يعني أنّ كلّ من كان حاضراً في تلك المنطقة سواء كرجل إطفاء أو ضابط شرطة أو عامل طوارئ أو مقيم أو عامل في المنطقة يستحقّ على الأقلّ أن يعرف حقوقه ويستشير طبيبه بشأن إمكانية الالتحاق بالبرنامج.
قصّة الحادي عشر من سبتمبر لم تنتهِ في ذلك اليوم. هي تُكتَب الآن، في غرف المستشفيات وقاعات المحاكم ومراسم الذكرى، على يد من بقوا أحياء ليرووها وعلى يد أبنائهم الذين يحملون ثقل ما لم يُقَل بعد.
أخبار ذات صلة

الإيبولا تخترق حدود كينيا رغم الاستعدادات: تحذيرٌ من انتشارٍ إقليمي

الأطباء أخطأوا تشخيصها لثلاثين سنة.. ونجت بصعوبة من الانتظار

الحياة الطبيعية في مدن سيبيريا وسط تحذيرات من طاعون
